فهرس الكتاب

الصفحة 1982 من 4314

أقول: معناه أن من رضي الله عنهم ورضوا عنه هم الذين جمعتهم الآية لا أن الآية تدل على رضاه تعالى عن الأمة كلهم فهذا مما يدفعه الكتاب بالمخالفة القطعية ، وكذا قوله:"و ليس بعد الرضا سخط"، مراده ليس بعد الرضا المذكور في الآية سخط ، وقد قررناه فيما تقدم لا أنه ليس بعد مطلق رضى الله سخط فهو مما لا يستقيم البتة.

وفيه ، أخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي: أخبرني عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما أريد الفتن: فقال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم. قلت: وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال: أ لا تقرأ:"و السابقون الأولون"الآية أوجب لجميع أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الجنة والرضوان ، وشرط على التابعين شرطا لم يشترطه فيهم. قلت: وما أشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان يقول: يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ، ولا يقتدون بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك ، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب.

أقول: هو - كما ترى - يسلم أن في أعمالهم حسنة وسيئة وطاعة وفسقا غير أن الله رضي عنهم في جميع ذلك وغفرها لهم فلا يجازيهم بالسيئة سيئة ، وهو الذي ذكرنا في البيان المتقدم أن مقتضاه تكذيب آيات كثيرة قرآنية تدل على أن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين والظالمين وأنه لا يحبهم ولا يهديهم ، وتقيد آيات أكثر من ذلك وهي أكثر الآيات القرآنية الدالة على عموم جزاء الحسنة بالحسنة والسيئة بالسيئة من غير مقيد وعليها تعتمد آيات الأمر والنهي وهي آيات الأحكام بجملتها.

ولو كان مدلول الآية هذا الذي ذكره لكانت الصحابة على عربيتهم المحضة واتصالهم بزمان النبوة ونزول الوحي أحق أن يفهموا من الآية ذلك ، ولو كانوا فهموا منها ذلك لما عامل بعضهم بعضا بما ضبطه النقل الصحيح.

وكيف يمكن أن يتحقق كلهم بمضمون قوله:"رضي الله عنهم ورضوا عنه"ويفهموا ذلك منه ثم لا يرضى بعضهم عن بعض وقد رضي الله عنه ، والراضي عن الله راض عما رضي الله عنه ، ولا يندفع هذا الإشكال بحديث اجتهادهم فإن ذلك لو سلم يكون عذرا في مقام العمل لا مصححا للجمع بين صفتين متضادتين وجدانا وهما الرضا عن الله وعدم الرضا عما رضي الله عنه والكلام طويل.

وفيه ، أخرج أبو عبيد وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري: أن عمر بن الخطاب قرأ"و السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان"فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين فقال له زيد بن ثابت: والذين فقال عمر: الذين فقال زيد: أمير المؤمنين أعلم فقال عمر: ائتوني بأبي بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال أبي: والذين فقال عمر: فنعم إذن نتابع أبيا.

أقول: ومقتضى قراءة عمر اختصاص المهاجرين بما يتضمنه قوله:"و السابقون الأولون"من المنقبة ومنقبة أخرى وهي كونهم متبوعين للأنصار كما يشير إليه الحديث الآتي.

وفيه ، أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال: مر عمر برجل يقرأ"و السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار"فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبي بن كعب. قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم قال: وسمعتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال: نعم. قال: كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. فقال أبي: تصديق ذلك في أول سورة الجمعة:"و آخرين منهم لما يلحقوا بهم"وفي سورة الحشر:"و الذين جاءوا من بعدهم - يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان"وفي الأنفال:"و الذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم". وفي الكافي ، بإسناده عن موسى بن بكر عن رجل قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) :"الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا"فأولئك قوم مؤمنون يحدثون في إيمانهم من الذنوب التي يعيبها المؤمنون ويكرهونها فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم.

أقول: ورواه العياشي عن زرارة عنه (عليه السلام) إلا أن فيه"مذنبون""مكان مؤمنون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت