فهرس الكتاب

الصفحة 1208 من 4314

و يتلو هذا الجواب في الضعف قول بعضهم - على ما في بعض الروايات: أن المراد بقوله:"أشياء إن تبد لكم تسؤكم"ما ربما يهواه بعض النفوس من الاطلاع على بعض المغيبات كالآجال وعواقب الأمور وجريان الخير والشر والكشف عن كل مستور مما لا يخلو العلم به طبعا من أن يتضمن ما يسوء الإنسان ويحزنه كسؤال الرجل عن باقي عمره ، وسبب موته ، وحسن عاقبته ، وعن أبيه من هو؟ وقد كان دائرا بينهم في الجاهلية.

فالمراد بقوله:"لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"هو النهي عن السؤال عن هذه الأمور التي لا يخلو انكشاف الحال فيها غالبا أن يشتمل على ما يسوء الإنسان ويحزنه كظهور أن الأجل قريب ، أو أن العاقبة وخيمة ، أو أن أباه في الواقع غير من يدعى إليه.

فهذه أمور يتضمن غالبا مساءة الإنسان وحزنه ، ولا يؤمن من أن يجاب إذا سئل عنه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لا يرتضيه السائل فيدعوه الاستكبار النفساني وأنفة العصبية أن يكذب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يجيب به فيكفر بذلك كما يشير إليه قوله تعالى في الآية التالية:"قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين".

وهذا الوجه وإن كان سليما في بادىء النظر لكنه لا يلائم قوله تعالى:"و إن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم"سواء قلنا: إن مفاده تجويز السؤال عن هذه الأشياء حين نزول القرآن ، أو تشديد النهي عنه حين نزول القرآن بالدلالة على أن المجيب - وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - في غير حال نزول القرآن في سعة من أن لا يجيب عن هذه الأسئلة رعاية لمصلحة السائلين لكنها أعني الأشياء المسئول عنها مكشوفة الحقيقة مرفوع عنها الحجاب لا محالة فلا تسألوا عنها حين ينزل القرآن البتة.

أما عدم ملاءمته على المعنى الأول فلأن السؤال عن هذه الأشياء لما اشتمل على المفسدة بحسب طبعه فلا معنى لتجويزه حال نزول القرآن ، والمفسدة هي المفسدة.

وأما على المعنى الثاني فلأن حال نزول القرآن وإن كان حال البيان والكشف عن ما يحتاج إلى الكشف والإبداء غير أن هذه الخصيصة مرتبطة بحقائق المعارف وشرائع الأحكام وما يجري مجراها ، وأما تعيين أجل زيد وكيفية وفاة عمرو ، وتشخيص من هو أبو فلان؟ ونحو ذلك فهي مما لا يرتبط به البيان القرآني ، فلا وجه لتذييل النهي عن السؤال عن أشياء كذا وكذا بنحو قوله:"و إن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم"وهو ظاهر.

فالأوجه في الجواب ما يستفاد من كلام آخرين أن الآية الثانية:"قد سألها قوم من قبلكم ، إلخ"وكذا قوله:"و إن تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم"تدل على أن المسئول عنها أشياء مرتبطة بالأحكام المشرعة كالخصوصيات الراجعة إلى متعلقات الأحكام مما ربما يستقصى في البحث عنه والإصرار في المداقة عليه ، ونتيجة ذلك ظهور التشديد ونزول التحريج كلما أمعن في السؤال وألح على البحث كما قصه الله سبحانه في قصة البقرة عن بني إسرائيل حيث شدد الله سبحانه بالتضييق عليهم كلما بالغوا في السؤال عن نعوت البقرة التي أمروا بذبحها.

ثم إن قوله تعالى:"عفا الله عنها"الظاهر أنه جملة مستقلة مسوقة لتعليل النهي في قوله:"لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم"لا كما ذكروه: أنه وصف لأشياء ، وأن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم ،"إلخ".

وهذا التعبير - أعني تعدية العفو بعن - أحسن شاهد على أن المراد بالأشياء المذكورة هي الأمور الراجعة إلى الشرائع والأحكام ، ولو كانت من قبيل الأمور الكونية كان كالمتعين أن يقال: عفاها الله.

وكيف كان فالتعليل بالعفو يفيد أن المراد بالأشياء هي الخصوصيات الراجعة إلى الأحكام والشرائع والقيود والشرائط العائدة إلى متعلقاتها ، وأن السكوت عنها ليس لأنها مغفول عنها أو مما أهمل أمرها بل لم يكن ذلك إلا تخفيفا من الله سبحانه لعباده وتسهيلا كما قال:"و الله غفور حليم"فما يقترحونه من السؤال عن خصوصياته تعرض منهم للتضييق والتحريج وهو مما يسوؤهم ويحزنهم البتة فإن في ذلك ردا للعفو الإلهي الذي لم يكن البتة إلا للتسهيل والتخفيف ، وتحكيم صفتي المغفرة والحلم الإلهيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت