فهرس الكتاب

الصفحة 897 من 4314

و أما جهة السيئة فالقرآن الكريم يسندها في الإنسان إلى نفس الإنسان بقوله تعالى في هذه السورة:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك:"الآية النساء: 79 وقوله تعالى"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى: 30 وقوله تعالى"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم":"الرعد: 11 ، وقوله تعالى"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53 وغيرها من الآيات."

وتوضيح ذلك أن الآيات السابقة كما عرفت تجعل هذه النوازل السيئة كالحسنات أمورا حسنة في خلقتها فلا يبقى لكونها سيئة إلا أنها لا تلائم طباع بعض الأشياء التي تتضرر بها فيرجع الأمر بالآخرة إلى أن الله لم يجد لهذه الأشياء المبتلاة المتضررة بما تطلبه وتشتاق إليه بحسب طباعها ، فإمساك الجود هذا هو الذي يعد بلية سيئة بالنسبة إلى هذه الأشياء المتضررة كما يوضحه كل الإيضاح قوله تعالى:"ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم": فاطر: 2.

ثم بين تعالى أن إمساك الجود عما أمسك عنه أو الزيادة والنقيصة في إفاضة رحمته إنما يتبع أو يوافق مقدار ما يسعه ظرفه ، وما يمكنه أن يستوفيه من ذلك ، قال تعالى فيما ضربه من المثل:"أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها": الرعد: 17 وقال:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 فهو تعالى إنما يعطي على قدر ما يستحقه الشيء وعلى ما يعلم من حاله ، قال:"ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير": الملك: 14.

ومن المعلوم أن النعمة والنقمة والبلاء والرخاء بالنسبة إلى كل شيء ما يناسب خصوص حاله كما يبينه قوله تعالى:"و لكل وجهة هو موليها": البقرة: 148 فإنما يولي كل شيء ويطلب وجهته الخاصة به وغايته التي تناسب حاله.

ومن هنا يمكنك أن تحدس أن السراء والضراء والنعمة والبلاء بالنسبة إلى هذا الإنسان الذي يعيش في ظرف الاختيار في تعليم القرآن أمور مرتبطة باختياره فإنه واقع في صراط ينتهي به بحسن السلوك وعدمه إلى سعادته وشقائه كل ذلك من سنخ ما لاختياره فيه مدخل.

والقرآن الكريم يصدق هذا الحدس ، قال تعالى:"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم": الأنفال: 53 فلما في أنفسهم من النيات الطاهرة والأعمال الصالحة دخل في النعمة التي خصوا بها فإذا غيروا غير الله بإمساك رحمته وقال:"و ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير": الشورى -: 30 فلأعمالهم تأثير في ما ينزل بهم من النوازل ويصيبهم من المصائب ، والله يعفو عن كثير منها.

وقال تعالى:"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك": الآية النساء: 79.

وإياك أن تظن أن الله سبحانه حين أوحى هذه الآية إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) نسي الحقيقة الباهرة التي أبانها بقوله:"الله خالق كل شيء": الزمر: 62 وقوله:"الذي أحسن كل شيء خلقه": السجدة: 7 فعد كل شيء مخلوقا لنفسه حسنا في نفسه وقد قال:"و ما كان ربك نسيا": مريم: 64 وقال:"لا يضل ربي ولا ينسى": طه: 52 فمعنى قوله"ما أصابك من حسنة"الآية أن ما أصابك من حسنة - وكل ما أصابك حسنة - فمن الله ، وما أصابك من سيئة فهي سيئة بالنسبة إليك حيث لا يلائم ما تقصده وتشتهيه وإن كانت في نفسها حسنة فإنما جرتها إليك نفسك باختيارها السيىء ، واستدعتها كذلك من الله فالله أجل من أن يبدأك بشر أو ضر.

والآية كما تقدم وإن كانت خصت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخطاب لكن المعنى عام للجميع ، وبعبارة أخرى هذه الآية كالآيتين الأخريين"ذلك بأن الله لم يك مغيرا"الآية"و ما أصابكم من مصيبة"الآية متكفلة للخطاب الاجتماعي كتكفلها للخطاب الفردي.

فإن للمجتمع الإنساني كينونة إنسانية وإرادة واختيارا غير ما للفرد من ذلك.

فالمجتمع ذو كينونة يستهلك فيها الماضون والغابرون من أفراده ، ويؤاخذ متأخروهم بسيئات المتقدمين ، والأموات بسيئات الأحياء ، والفرد غير المقدم بذنب المقترفين للذنوب وهكذا ، وليس يصح ذلك في الفرد بحسب حكمه في نفسه أبدا ، وقد تقدم شطر من هذا الكلام في بحث أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت