فهرس الكتاب

الصفحة 896 من 4314

ثم عمم معنى الحسن والقبح لسائر الحوادث الخارجية التي تستقبل الإنسان مدى حياته على حسب تأثير مختلف العوامل وهي الحوادث الفردية أو الاجتماعية التي منها ما يوافق آمال الإنسان ، ويلائم سعادته في حياته الفردية أو الاجتماعية من عافية أو صحة أو رخاء ، وتسمى حسنات ، ومنها ما ينافي ذلك كالبلايا والمحن من فقر أو مرض أو ذلة أو إسارة ونحو ذلك ، وتسمى سيئات.

فقد ظهر مما تقدم أن الحسنة والسيئة يتصف بهما الأمور أو الأفعال من جهة إضافتها إلى كمال نوع أو سعادة فرد أو غير ذلك فالحسن والقبح وصفان إضافيان ، وإن كانت الإضافة في بعض الموارد ثابتة لازمة ، وفي بعضها متغيرة كبذل المال الذي هو حسن بالنسبة إلى مستحقه وسيىء بالنسبة إلى غير المستحق.

وأن الحسن أمر ثبوتي دائما والمساءة والقبح معنى عدمي وهو فقدان الأمر صفة الملاءمة والموافقة المذكورة ، وإلا فمتن الشيء أو الفعل مع قطع النظر عن الموافقة وعدم الموافقة المذكورين واحد من غير تفاوت فيه أصلا.

فالزلزلة والسيل الهادم إذا حلا ساحة قوم كانا نعمتين حسنتين لأعدائهم وهما نازلتان سيئتان عليهم أنفسهم ، وكل بلاء عام في نظر الدين سراء إذا نزل بالكفار المفسدين في الأرض أو الفجار العتاة ، وهو بعينه ضراء إذا نزل بالأمة المؤمنة الصالحة.

وأكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا ، وهو بعينه سيئة محرمة إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه ، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله ، والمباشرة بين الرجل والمرأة حسنة مباحة إذا كان عن ازدواج مثلا ، وسيئة محرمة إذا كان سفاحا من غير نكاح لفقدانه موافقة التكليف الإلهي فالحسنات عناوين وجودية في الأمور والأفعال ، والسيئات عناوين عدمية فيهما ، ومتن الشيء المتصف بالحسن والسوء واحد.

والذي يراه القرآن الشريف أن كل ما يقع عليه اسم الشيء ما خلا الله - عز اسمه - مخلوق لله قال تعالى:"الله خالق كل شيء": الزمر: 62 وقال تعالى:"و خلق كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان: 2. والآيتان تثبتان الخلقة في كل شيء ، ثم قال تعالى:"الذي أحسن كل شيء خلقه": السجدة: 7 فأثبت الحسن لكل مخلوق ، وهو حسن لازم للخلقة غير منفك عنها يدور مدارها.

فكل شيء له حظ من الحسن على قدر حظه من الخلقة والوجود ، والتأمل في معنى الحسن على ما تقدم يوضح ذلك مزيد إيضاح فإن الحسن موافقة الشيء وملاءمته للغرض المطلوب والغاية المقصودة منه ، وأجزاء الوجود وأبعاض هذا النظام الكوني متلائمة متوافقة ، وحاشا رب العالمين أن يخلق ما تتنافى أجزاؤه ، ويبطل بعضه بعضا فيخل بالغرض المطلوب ، أو يعجزه تعالى أو يبطل ما أراده من هذا النظام العجيب الذي يبهت العقل ويحير الفكرة.

وقد قال تعالى:"هو الله الواحد القهار": الزمر: 4 وقال تعالى:"و هو القاهر فوق عباده": الأنعام: - 18 وقال تعالى"و ما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا": فاطر: 44 فهو تعالى لا يقهره شيء ولا يعجزه شيء في ما يريده من خلقه ويشاؤه في عباده.

فكل نعمة حسنة في الوجود منسوبة إليه تعالى ، وكذلك كل نازلة سيئة إلا أنها في نفسها أي بحسب أصل النسبة الدائرة بين موجودات المخلوقة منسوبة إليه تعالى وإن كانت بحسب نسبة أخرى سيئة ، وهذا هو الذي يفيده قوله تعالى:"و إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا": النساء: - 78 وقوله فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون": الأعراف: 131 إلى غير ذلك من الآيات."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت