و فيه أن لا إشكال في أنه في نفسه يقبل الانطباق على ما ذكر لكن سياق الآيات إنما يلائم كونه مثلا عاما مذكورا توطئة وتمهيدا لما بيناه.
فقوله:"ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا"وصف القرية بثلاثة أوصاف متعاقبة غير أن الأوسط منها وهي الاطمئنان كالرابط بين الطرفين فإن القرية إذا أمنت المخاطرات كمهاجمة الأشرار وشن الغارات وقتل النفوس وسبي الذراري ونهب الأموال وكذا أمنت الحوادث الطبيعية كالزلازل وغيرها اطمأنت وسكنت فلم يضطر أهلها إلى الجلاء والتفرق.
ومن كمال اطمئنانها أن يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ولا يلجأ أهلها إلى الاغتراب وقطع الفيافي وركوب البحار وتحمل المشاق البالغة في طلب الرزق وجلبه إليها.
فاتصاف القرية بصفاتها الثلاث المذكورة: الأمن والاطمئنان وإتيان رزقها إليها من كل مكان يتم ويكمل لها جميع النعم المادية الصورية ، وسيضيف سبحانه إليها النعم المعنوية في الآية التالية:"و لقد جاءهم رسول منهم"فهي قرية أتم الله نعمه عليها وأكملها.
وقوله:"فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع"والخوف التعبير بأنعم الله وهو جمع قلة للإشارة بها إلى الأصناف المذكورة وهي ثلاثة: الأمن والاطمئنان وإتيان الرزق ، والإذاقة استعارة للإيصال اليسير فإذاقة الجوع والخوف مشعر بأن الذي يوصلهما قادر على تضعيف ذلك وتكثيره بما لا يقدر بقدر كيف لا؟ وهو الله الذي له القدرة كلها.
ثم إضافة اللباس إلى الجوع والخوف وفيها دلالة على الشمول والإحاطة كما يشمل اللباس البدن ، ويحيط به ، تشعر بأن هذا المقدار اليسير من الجوع والخوف الذي أذاقهم شملهم كما يشمل اللباس بدن الإنسان وهو سبحانه قادر على أن يزيد على ذلك فهو المتناهي في قهره وغلبته وهم المتناهون في ذلتهم وهوانهم.
ثم ختم الآية بقوله:"بما كانوا يصنعون"للدلالة على أن سنة المجازاة في الشكر والكفر قائمة على ساق.
والمعنى: ضرب الله مثلا مثل قرية كان أهلها آمنين من كل شر وسوء يهددهم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم ساكنين غير مضطرين يأتيهم رزقهم طيبا واسعا من كل مكان من غير أن يضطروا إلى السفر والاغتراب فكفر أهلها بهذه النعم الإلهية ولم يشكروه سبحانه فأنالهم الله شيئا يسيرا من نقمته - بسلب هذه النعم - وهو الجوع والخوف اللذان عماهم وشملاهم قبال ما استمروا عليه بكفران الأنعم جزاء لكفرانهم.
قوله تعالى:"و لقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون"وهذا هو النعمة المعنوية التي أضافها إلى نعمة المادية المذكورة ، وكان فيها صلاح معاشهم ومعادهم وتحذير لهم من الكفران بأنعم الله وشرح ما فيه من الشؤم والشقاء لكنهم كذبوا رسولهم الذي هو منهم يعرفونه ويدرون أنه إنما يدعوهم لأمر إلهي ويهديهم إلى سبيل الرشاد وسعادة الجد فظلموا ذلك فأخذهم العذاب بظلمهم.
وبهذا التقرير يظهر ما في القيود المأخوذة في الآية من النكات.
قوله تعالى:"فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا إلى آخر الآية تفريع على ما تحصل من المثل نتيجة ، والتقدير إذا كان الحال هذا الحال وكان في كفران هذا الرزق الرغد عذاب وفي تكذيب الدعوة عذاب فكلوا مما رزقكم الله حال كونه حلالا طيبا أي لستم بممنوعين منه وأنتم تستطيبونه فكلوا منه واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون."
وقد ظهر بذلك: أولا: أن الآية مسوقة لتحليل طيبات الرزق مطلقا فلا سبيل إلى ما ذكره بعضهم أن المراد فكلوا مما رزقكم الله من الغنائم رزقا حلالا طيبا بناء على أن الآية نزلت بعد وقعة بدر والمثل السابق مثل مضروب لأهل مكة ، والمراد بالرسول الذي كذبوه هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبالعذاب الذي أخذهم هو القتل الذريع لصناديدهم يوم بدر.
وهذا كله مما لا دليل عليه من طريق لفظ الآيات.
على أنه قد تأيد سابقا أنها مكية.
وثانيا: أن المراد بالحل والطيب كون الرزق بحيث لم يحرم منه الإنسان طبعا وطبعه يستطيبه أي الحل والطيب بحسب الطبع وذلك ملاك الحلية الشرعية التي تتبع الحلية بحسب الفطرة فإن الدين فطري لأن الله سبحانه فطر الإنسان مجهزا بجهاز التغذية وجعل أشياء أرضية من الحيوان والنبات ملائمة لقوامه يميل إليها طبعه من غير نفرة فله أن يأكل منها وهو الحل.