فهرس الكتاب

الصفحة 2593 من 4314

و ثالثا: أن قوله:"فكلوا"أمر مقدمي بالنسبة إلى قوله:"و اشكروا"نعمة الله"وذكر النعمة تلويح إلى سبب الحكم فإن كون الشيء نعمة هو السبب في وجوب الشكر عليه."

ورابعا: أن قوله:"إن كنتم إياه تعبدون"خطاب للمؤمنين فإنهم هم الذين يعبدون الله ولا يعبدون غيره ، والقصر في الجملة الذي يدل عليه تقديم المفعول على الفعل قصر القلب ، وغيرهم وهم المشركون إنما يعبدون الأصنام والآلهة من دون الله.

وجعل الخطاب للمشركين ودعوى أن المراد بالعبادة في قوله:"إن كنتم إياه تعبدون"الإطاعة أو أن المعنى إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادتكم لآلهتكم عبادته تعالى ، لا يرجع إلى طائل فإن جعل العبادة بمعنى الإطاعة يحتاج إلى قرينة ولا قرينة والمشركون لا يعبدون الله سبحانه ولو بإشراكه في العبادة ولا يقصدون بعبادة آلهتهم عبادته تعالى بل ينزهونه تعالى عن عبادتهم لكونه أجل من أن يناله إدراك أو ينتهي إليه توجه.

وكون الخطاب في الآية للمؤمنين يوجب كون المثل مضروبا لأجلهم ورجوع سائر الخطابات التشريعية فيما قبل الآية وما بعدها متوجهة إليهم ، وربما قيل: إن الخطاب لعامة الناس أعم من المؤمن والكافر وتطبيقه على الآيات لا يخلو من تكلف وإن كان دون تخصيص الخطاب بالمشركين إشكالا.

قوله تعالى:"إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم"تقدم الكلام في معنى الآية في تفسير سورة البقرة الآية 173 وسورة المائدة الآية 3 وسورة الأنعام الآية 145.

والآية بمعناها على اختلاف ما في لفظها واقعة في أربعة مواضع من القرآن: في سورتي الأنعام والنحل وهما مكيتان من أوائل ما نزلت بمكة وأواخرها ، وفي سورتي البقرة والمائدة وهما من أوائل ما نزلت بالمدينة وأواخرها ، وهي تدل على حصر محرمات الأكل في الأربع المذكورة: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به كما نبه عليه بعضهم.

لكن بالرجوع إلى السنة يظهر أن هذه هي المحرمات الأصلية التي عني بها في الكتاب وما سوى هذه الأربع من المحرمات مما حرمه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر من ربه وقد قال تعالى:"ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا": الحشر: 7 ، وقد تقدم بعض الروايات الدالة على هذا المعنى.

قوله تعالى:"و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب"إلخ ،"ما"في قوله:"لما تصف مصدرية والكذب مفعول"تصف"أي لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام بسبب وصف ألسنتكم لغاية افتراء الكذب على الله."

وكون الخطاب في الآيات للمؤمنين - على ما يؤيده سياقها كما مر - أو لعامة الناس يؤيد أن يكون المراد بقوله:"و لا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام"النهي عن الابتداع بإدخال حلال أو حرام في الأحكام الجارية في المجتمع المعمولة بينهم من دون أن ينزل به الوحي فإن ذلك من إدخال ما ليس من الدين في الدين وافتراء على الله وإن لم ينسبه واضعه إليه تعالى.

وذلك أن الدين في عرف القرآن هو سنة الحياة وقد تكرر منه سبحانه قوله:"يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا"أو ما يقرب منه ، فالدين لله ومن زاد فيه شيئا فقد نسبه إليه تعالى افتراء عليه وإن سكت عن الإسناد أو نفى ذلك بلسانه.

وذكر الجمهور أن المراد بالآية النهي عما كان المشركون يحلونه كالميتة والدم وما أهل لغير الله به أو يحرمونه كالبحيرة والسائبة وغيرهما والسياق - كما مر - لا يؤيده.

ثم قال سبحانه في مقام تعليل النهي:"إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون"ثم بين حرمانهم من الفلاح بقوله:"متاع قليل ولهم عذاب أليم."

قوله تعالى:"و على الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل"إلخ ، المراد بقوله:"ما قصصنا عليك من قبل"- كما قيل - ما قصه تعالى على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) في سورة الأنعام - وقد نزلت قبل سورة النحل بلا إشكال - بقوله:"و على الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر"إلى آخر الآية ،: الأنعام: 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت