و الآية في مقام دفع الدخل وفيها عطف على مسألة النسخ المذكورة سابقا كأن قائلا يقول: فإذا كانت محرمات الأكل منحصرة في الأربع المذكورة: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ، وكان ما وراءها حلالا فما هذه الأشياء المحرمة على بني إسرائيل من قبل؟ هل هذا إلا ظلم بهم.
فأجاب عنه بأنا حرمنا عليهم ذلك وما ظلمناهم في تحريمه ولكنهم كانوا يظلمون أنفسهم فنحرم عليهم بعض الأشياء أي إنه كان محللا لهم مأذونا فيه لكنهم ظلموا أنفسهم وعصوا ربهم فجزيناهم بتحريمه عقوبة كما قال سبحانه في موضع آخر:"فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم"الآية ، ولو أنهم بعد ذلك كله رجعوا إلى ربهم وتابوا عن معاصيهم تاب الله عليهم ورفع الحظر عنهم وأذن لهم فيما منعهم عنه إنه لغفور رحيم.
فقد ظهر أن الآية متصلة بما قبلها من حديث التحليل والتحريم ، وأنها كالجواب عن سؤال مقدر ، وأن ما بعدها من قوله:"ثم إن ربك للذين عملوا السوء"الآية ، متصل بها متمم لمضمونها.
قوله تعالى:"ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم"الجهالة والجهل واحد وهو في الأصل ما يقابل العلم لكن الجهالة كثيرا ما تستعمل بمعنى عدم الانكشاف التام للواقع وإن لم يخل المحل عن علم ما مصحح للتكليف كحال من يقترف المحرمات وهو يعلم بحرمتها لكن الأهواء النفسانية تغلبه وتحمله على المعصية ولا تدعه يتفكر في حقيقة هذه المخالفة والمعصية فله علم بما ارتكب ولذلك يؤاخذ ويعاقب على ما فعل وهو مع ذلك جاهل بحقيقة الأمر ولو تبصر تمام التبصر لم يرتكب.
والمراد بالجهالة في الآية هذا المعنى إذ لو كان المراد هو الأول وكان ما ذكر من عمل السوء مجهولا من حيث حكمه أو من حيث موضوعه لم يكن العمل معصية حتى يحتاج إلى التوبة فالمغفرة والرحمة.
والآية - كما تقدمت الإشارة إليه - متصلة بما قبلها متممة لمضمونها ، ومعنى الآيتين أنا لم نظلم بني إسرائيل في تحريم الطيبات التي حرمناها ، لهم بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث ارتكبوا المعاصي وأصروا عليها فأدى ذلك إلى تحريم الطيبات عليهم ، وبعد ذلك كله باب المغفرة والرحمة مفتوح وإن ربك للذين عملوا السوء أي عملوا عملا سوءا وهو السيئة بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا حتى يتبين التوبة وتستقر إن ربك من بعدها أي من بعد التوبة لغفور رحيم.
وفي تقييد التوبة أولا بالإصلاح ثم إرجاع الضمير أخيرا إليها وحدها في قوله:"إن ربك من بعدها لغفور"دلالة على أن شمول المغفرة والرحمة من تبعات التوبة ، وأما الإصلاح فإنما هو لتبيين التوبة وظهور كونها توبة حقيقية ورجوعا جديا لا مجرد صورة خالية عن المعنى.
وقوله في ذيل الآية:"إن ربك من بعدها"تلخيص لتفصيل قوله في صدرها:"إن ربك للذين"إلخ ، وفائدته حفظ فهم السامع عن التشوش والضلال وإبراز العناية ببعدية المغفرة والرحمة بالنسبة إلى التوبة نظير ما مر من قوله:"ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم".
قوله تعالى:"إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين"الآية ، وما يتلوها على اتصالها بما تقدم من حصر محرمات الأكل في الأربع وتحليل ما وراءها ، وهذه الآية إلى تمام أربع آيات بمنزلة التفصيل لما تقدمها كأنه قيل: هذا حال ملة موسى التي حرمنا فيها على بني إسرائيل بعض ما أحل لهم من الطيبات ، وأما هذه الملة التي أنزلناها إليك فإنما هي الملة التي تحقق بها إبراهيم فاجتباه الله وهداه إلى صراط مستقيم وأصلح بها دنياه وآخرته ، وهي ملة معتدلة جارية على الفطرة تحلل الطيبات وتحرم الخبائث يجلب العمل بها من الخير ما جلبه لإبراهيم (عليه السلام) منه.
فقوله:"إن إبراهيم كان أمة"قال في المفردات ، وقوله:"إن إبراهيم كان أمة قانتا لله"أي قائما مقام جماعة في عبادة الله نحو قولهم: فلان في نفسه قبيلة ، انتهى.
وهو قريب مما نقل عن ابن عباس ، وقيل: معناه الإمام المقتدى به ، وقيل: إنه كان أمة منحصرة في واحد مدة من الزمان لم يكن على الأرض موحد يوحد الله غيره.