فهرس الكتاب

الصفحة 2595 من 4314

و قوله:"قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين"القنوت: الإطاعة والعبادة أو دوامها ، والحنف: الميل من الطرفين إلى حاق الوسط وهو الاعتدال.

قوله تعالى:"شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم"الاجتباء من الجباية وهو الجمع واجتباء الله الإنسان هو إخلاصه لنفسه وجمعه من التفرق في المذاهب المختلفة.

وفي تعقيب قوله:"شاكرا لأنعمه"بقوله:"اجتباه"إلخ ، مفصولا إشعار بالعلية وذلك يؤيد ما تقدم في سورة الأعراف في تفسير قوله:"و لا تجد أكثرهم شاكرين": الأعراف: 17 ، أن حقيقة الشكر هو الإخلاص في العبودية.

قوله تعالى:"و آتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين"الحسنة هي المعيشة الحسنة فقد كان (عليه السلام) ذا مال كثير ومروة عظيمة.

وقد بسطنا الكلام في معنى الاجتباء في تفسير سورة يوسف عند الآية 6 ، وفي معنى الهداية والصراط المستقيم في تفسير الفاتحة عند قوله:"اهدنا الصراط المستقيم": الآية - 6 ، وفي معنى قوله:"و إنه في الآخرة لمن الصالحين": البقرة: 130 ، فراجع.

وفي توصيفه تعالى إبراهيم (عليه السلام) بما وصفه من الصفات إشارة إلى أنها من مواهب هذا الدين الحنيف ، فإن انتحل به الإنسان ساقه إلى ما ساق إليه إبراهيم (عليه السلام) .

قوله تعالى:"ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين"تكرار اتصافه بالحنف ونفي الشرك لمزيد العناية به.

قوله تعالى:"إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه"إلى آخر الآية ، قال في المفردات: أصل السبت القطع ومنه سبت السير قطعه وسبت شعره حلقه ، وأنفه اصطلمه ، وقيل: سمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السماوات والأرض يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره فقطع عمله يوم السبت فسمي بذلك.

وسبت فلان صار في السبت ، وقوله:"يوم سبتهم شرعا"قيل: يوم قطعهم للعمل"و يوم لا يسبتون"قيل: معناه لا يقطعون العمل وقيل: يوم لا يكونون في السبت وكلاهما إشارة إلى حالة واحدة ، وقوله:"إنما جعل السبت"أي ترك العمل فيه"و جعلنا نومكم سباتا"أي قطعا للعمل وذلك إشارة إلى ما قال في صفة الليل:"لتسكنوا فيه"انتهى.

فالمراد بالسبت على ما ذكره نفس اليوم لكن معنى جعله جعل ترك العمل فيه وتشريعه ، ويمكن أن يكون المراد به المعنى المصدري دون اليوم المجعول فيه ذلك كما هو ظاهر قوله:"تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم:"الأعراف: 163.

وكيف كان فقد كان من طبع الكلام أن يقال: إنما جعل السبت للذين حتى ، يفيد نوعا من الاختصاص والملك وأن الله شرع لهم في كل أسبوع أن يقطعوا العمل يوما يفرغون فيه لعبادة ربهم وهو يوم السبت كما جعل للمسلمين في كل أسبوع يوما يجتمعون فيه للعبادة والصلاة وهو يوم الجمعة.

فقوله:"إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه"بتعدية جعل بعلى دون اللام من قبيل قولهم: لي عليك دين وهذا عليك لا لك فتفيد معنى التكليف والتشديد والابتلاء أي إنما جعل للتشديد عليهم وابتلائهم وامتحانهم فقد كان هذا الجعل عليهم لا لهم كما انجر أمرهم فيه إلى لعن طائفة منهم ومسخ آخرين وقد أشير إلى ذلك في سورة البقرة الآية 65 وسورة النساء الآية 47.

والأنسب على هذا أن يكون المراد بقوله:"اختلفوا فيه"أي في السبت اختلافهم فيه بعد التشريع فإنهم تفرقوا فيه فرقا ممن قبله وممن رده وممن احتال للعمل فيه على ما أشير إلى قصصهم في سور البقرة والنساء والأعراف لا اختلافهم فيه قبل التشريع بأن يعرض عليهم أن يسبتوا في كل أسبوع يوما للعبادة ثم يجعل ذلك اليوم هو الجمعة فيختلفوا فيه فيجعل عليهم يوم السبت كما وقع في بعض الروايات.

والمعنى إنما جعل يوم السبت أو قطع العمل للعبادة يوما في كل أسبوع تشديدا وابتلاء وفتنة وكلفة على اليهود الذين اختلفوا فيه بعد تشريعه بين من قبله ومن رده ومن احتال فيه للعمل مع التظاهر بقبوله وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت