فهرس الكتاب

الصفحة 2596 من 4314

و بالبناء على هذا يكون وزان الآية وزان قوله السابق:"و على الذين هادوا حرمنا"إلخ ، في أنها في معنى الجواب عن سؤال مقدر عطفا على ما مر من حديث النسخ ، والتقدير وأما جعل السبت لليهود فإنما جعل لا لهم بل عليهم ليبتليهم الله ويفتنهم به ويشدد عليهم كما قد تكرر نظائره فيهم لكونهم عاتين معتدين مستكبرين وبالجملة الآية ناظرة إلى الاعتراض بتشريع بعض الأحكام غير الفطرية على اليهود ونسخه في هذه الشريعة.

وإنما لم يضم إلى قوله سابقا:"و على الذين هادوا حرمنا"إلخ ، لكون مسألة السبت مغايرة لسنخ مسألة تحليل الطيبات واستثناء محرمات الأكل ، وقد عرفت أن الكلام على اتصاله من قوله:"و على الذين هادوا"إلى قوله:"و ما كان من المشركين"سبع آيات تامة ثم اتصلت بها هذه الآية وهي ثامنتها الملحقة بها.

ومن هنا يظهر الجواب عما اعترض به أن توسيط جعل السبت بين حكاية أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باتباع ملة إبراهيم (عليه السلام) وبين أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة إليها وبعبارة أخرى وقوع قوله:"إنما جعل السبت"إلخ ، بين قوله:"ثم أوحينا إليك"إلخ ، وقوله:"ادع إلى سبيل ربك"إلخ ، كالفصل بين الشجر ولحائه.

ومحصل الجواب أن قوله:"ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم"الآية من تمام السياق السابق ، وقوله:"إنما جعل السبت"الآية ، متصل بما تقدمه كما عرفت ، وأما قوله:"ادع إلى سبيل ربك"الآية ، فهو استئناف وأمر بالدعوة إلى سبيل الله بفنون الخطاب لا إلى ملة إبراهيم حتى يتصل بالآية السابقة نوع اتصال وإن كان سبيل الله هو ملة إبراهيم بعينها لكن للفظ حكم وللمعنى بحسب المآل حكم آخر ، فافهم.

وللقوم في تفسير الاختلاف اختلاف عميق فمنهم من قال: إن المراد إنما جعل السبت على الذين اختلفوا على نبيهم فيه حيث أمرهم بتعظيم الجمعة فعدلوا عنه وأخذوا السبت فجعله الله عليهم تشديدا فالاختلاف اختلاف سابق على الجعل لا لاحق به وربما جعل"في"للتعليل فإن الاختلاف على هذا لم يقع في السبت بل من أجل السبت.

وربما قيل: الاختلاف بمعنى المخالفة فإنهم خالفوا نبيهم في السبت ولم يختلفوا فيه.

وربما قيل: إنهم أمروا باتخاذ الجمعة من غير تعيين ووكل ذلك إلى اجتهادهم فاختلفت أحبارهم في تعيينه ولم يهدهم الله إليه ووقعوا في السبت.

وربما قيل: إن المراد أنهم اختلفوا فيما بينهم في شأن السبت فطائفة منهم فضلته على الجمعة وطائفة منهم عكست الأمر وفضلت الجمعة عليه.

إلى غير ذلك مما قيل ، والأصل في ذلك ما ورد في بعض الروايات من القصة.

وأنت خبير بأن شيئا من الأقوال لا ينطبق على لفظ الآية ذاك الانطباق فالمصير إلى ما قدمناه.

قوله تعالى:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"إلى آخر الآية لا شك في أنه يستفاد من الآية أن هذه الثلاثة الحكمة والموعظة والمجادلة من طرق التكليم والمفاوضة فقد أمر بالدعوة بأحد هذه الأمور فهي من أنحاء الدعوة وطرقها وإن كان الجدال لا يعد دعوة بمعناها الأخص.

وقد فسرت الحكمة - كما في المفردات - بإصابة الحق بالعلم والعقل ، والموعظة كما عن الخليل - بأنه التذكير بالخير فيما يرق له القلب ، والجدال - كما في المفردات - بالمفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة.

والتأمل في هذه المعاني يعطي أن المراد بالحكمة - والله أعلم - الحجة التي تنتج الحق الذي لا مرية فيه ولا وهن ولا إبهام والموعظة هو البيان الذي تلين به النفس ويرق له القلب ، لما فيه من صلاح حال السامع من الغبر والعبر وجميل الثناء ومحمود الأثر ونحو ذلك.

والجدال هو الحجة التي تستعمل لفتل الخصم عما يصر عليه وينازع فيه من غير أن يريد به ظهور الحق بالمؤاخذة عليه من طريق ما يتسلمه هو والناس أو يتسلمه هو وحده في قوله أو حجته.

فينطبق ما ذكره تعالى من الحكمة والموعظة والجدال بالترتيب على ما اصطلحوا عليه في فن الميزان بالبرهان والخطابة والجدل.

غير أنه سبحانه قيد الموعظة بالحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، ففيه دلالة على أن من الموعظة ما ليست بحسنة ومن الجدال ما هو أحسن وما ليس بأحسن ولا حسن والله تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة ومن الجدال بأحسنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت