و لعل ما في ذيل الآية من التعليل بقوله:"إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين"يوضح وجه التقييد ، فمعناه أنه سبحانه أعلم بحال أهل الضلال في دينه الحق ، وهو أعلم بحال المهتدين فيه فهو يعلم أن الذي ينفع في هذا السبيل هو الحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن لا غير.
والاعتبار الصحيح يؤيد ذلك فإن سبيله تعالى هو الاعتقاد الحق والعمل الحق ومن المعلوم أن الدعوة إليه بالموعظة مثلا ممن لا يتعظ بما يعظ به دعوة عملا إلى خلاف ما يدعو إليه القول ، والدعوة إليه بالمجادلة مثلا بالمسلمات الكاذبة التي يتسلمها الخصم لإظهار الحق إحياء لحق بإحياء باطل وإن شئت فقل إحياء حق بإماتة حق إلا أن يكون الجدال على سبيل المناقضة.
ومن هنا يظهر أن حسن الموعظة إنما هو من حيث حسن أثره في الحق الذي يراد به بأن يكون الواعظ نفسه متعظا بما يعظ ويستعمل فيها من الخلق الحسن ما يزيد في وقوعها من قلب السامع موقع القبول فيرق له القلب ويقشعر به الجلد ويعيه السمع ويخشع له البصر.
ويتحرز المجادل مما يزيد في تهييج الخصم على الرد والعناد وسوقه إلى المكابرة واللجاج ، واستعمال المقدمات الكاذبة وإن تسلمها الخصم إلا في المناقضة ويحترز سوء التعبير والإزراء بالخصم وبما يقدسه من الاعتقاد والسب والشتم وأي جهالة أخرى فإن في ذلك إحياء للحق بإحياء الباطل أي إماتة الحق كما عرفت.
والجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة ولذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها ولم يجز من المجادلة إلا التي هي أحسن.
ثم إن في قوله:"بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"أخذا بالترتيب من حيث الأفراد فالحكمة مأذون فيها بجميع أفرادها ، والموعظة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة والمأذون فيها منهما هي الموعظة الحسنة ، والمجادلة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة ثم الحسنة إلى التي هي أحسن وغيرها والمأذون فيها منها التي هي أحسن ، والآية ساكتة عن توزيع هذه الطرق بحسب المدعوين بالدعوة فالملاك في استعمالها من حيث المورد حسن الأثر وحصول المطلوب وهو ظهور الحق.
فمن الجائز أن يستعمل في مورد جميع الطرق الثلاث وفي آخر طريقان أو طريق واحد حسب ما تستدعيه الحال ويناسب المقام.
ومنه يظهر أن قول بعضهم إن ظاهر الآية أن يجمع (صلى الله عليه وآله وسلم) في دعوته بين الطرق الثلاث ليس في محله إذ لا دليل على لزوم الجمع بينها بالنسبة إلى كل مدعو وأما بالنسبة إلى جميع المدعوين فهو حاصل.
وكذا ما ذكره بعضهم أن الطرق الثلاث المذكورة في الآية مترتبة حسب ترتب أفهام الناس في استعدادها لقبول الحق فمن الناس الخواص وهم أصحاب النفوس المشرقة القوية الاستعداد لإدراك الحقائق العقلية وشديدة الانجذاب إلى المبادىء العالية وكثيرة الألفة بالعلم واليقين فهؤلاء يدعون بالحكمة وهي البرهان.
ومنهم عوام وهم أصحاب نفوس كدرة واستعداد ضعيف مع شدة ألفتهم بالمحسوسات وقوة تعلقهم بالرسوم والعادات قاصرة عن تلقي البراهين من غير أن يكونوا معاندين للحق وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة.
ومنهم أصحاب العناد واللجاج الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق ويكابرون ليطفئوا نور الله بأفواههم رسخت في نفوسهم الآراء الباطلة ، وغلب عليهم تقليد أسلافهم في مذاهبهم الخرافية لا ينفعهم المواعظ والعبر ، ولا يهديهم سائق البراهين وهؤلاء هم الذين أمر بمجادلتهم بالتي هي أحسن.
وفيه أنه لا يخلو من دقة لكن لا ينتج اختصاص كل طريق بما يناسبه من مرتبة الفهم فربما انتفع الخواص بالموعظة والمجادلة وربما انتفعت العوام وهم ألفاء العادات والرسوم بالمجادلة بالتي هي أحسن ، ولا دلالة في لفظ الآية على ما ذكر من التخصيص.
وكذا ما ذكره بعضهم أن المجادلة بالتي هي أحسن ليست من الدعوة في شيء بل الغرض منها شيء آخر مغاير لها وهو الإلزام والإفحام.