فهرس الكتاب

الصفحة 600 من 4314

و الظاهر أن ذلك هو الأصل في معنى دون فكان في الأصل يفيد معنى الدنو مع خصوصية الانخفاض فقولهم دونك زيد أي هو في مكان يدنو من مكانك وأخفض منه كالدرجة دون الدرجة ثم استعمل بمعنى غير كقوله:"إلهين من دون الله": المائدة - 116 ، وقوله:"و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء": النساء - 48 ، أي ما سوى ذلك أو ما هو أدون من ذلك وأهون ، كذا استعمل اسم فعل كقولهم: دونك زيدا أي الزمه ، كل ذلك من جهة الانطباق على المورد دون الاشتراك اللفظي.

قوله تعالى: ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ، أي ومن يتخذهم أولياء من دون المؤمنين ، وإنما بدل من لفظ عام للإشعار بنهاية نفرة المتكلم منه حتى أنه لا يتلفظ به إلا بلفظ عام كالتكنية عن القبائح ، وهو شائع في اللسان ، ولذلك أيضا لم يقل: ومن يفعل ذلك من المؤمنين كأن فيه صونا للمؤمنين من أن ينسب إليهم مثل هذا الفعل.

ومن في قوله: من الله ، للابتداء ، ويفيد في أمثال هذا المقام معنى التحزب أي ليس من حزب الله في شيء كما قال تعالى:"و من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون": المائدة - 56 ، وكما فيما حكاه عن إبراهيم (عليه السلام) من قوله:"فمن تبعني فإنه مني": إبراهيم - 36 ، أي من حزبي ، وكيف كان فالمعنى والله أعلم: ليس من حزب الله مستقرا في شيء من الأحوال والآثار.

قوله تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقية ، الاتقاء في الأصل أخذ الوقاية للخوف ثم ربما استعمل بمعنى الخوف استعمالا للمسبب في مورد السبب ولعل التقية في المورد من هذا القبيل.

والاستثناء منقطع فإن التقرب من الغير خوفا بإظهار آثار التولي ظاهرا من غير عقد القلب على الحب والولاية ليس من التولي في شيء لأن الخوف والحب أمران قلبيان متباينان ومتنافيان أثرا في القلب فكيف يمكن اتحادهما؟ فاستثناء الاتقاء استثناء منقطع.

وفي الآية دلالة ظاهرة على الرخصة في التقية على ما روي عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كما تدل عليه الآية النازلة في قصة عمار وأبويه ياسر وسمية وهي قوله تعالى:"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم": النحل - 106.

وبالجملة الكتاب والسنة متطابقان في جوازها في الجملة ، والاعتبار العقلي يؤكده إذ لا بغية للدين ، ولا هم لشارعه إلا ظهور الحق وحياته ، وربما يترتب على التقية والمجاراة مع أعداء الدين ومخالفي الحق من حفظ مصلحة الدين وحيوة الحق ما لا يترتب على تركها ، وإنكار ذلك مكابرة وتعسف ، وسنستوفي الكلام فيها في البحث الروائي التالي ، وفي الكلام على قوله تعالى:"من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان": النحل - 106.

قوله تعالى: ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ، التحذير تفعيل من الحذر وهو الاحتراز من أمر مخيف وقد حذر الله عباده من عذابه كما قال تعالى:"إن عذاب ربك كان محذورا": إسراء - 57 ، وحذر من المنافقين وفتنة الكفار فقال:"هم العدو فاحذرهم": المنافقين - 4 ، وقال:"و احذرهم أن يفتنوك": المائدة - 49 ، وحذرهم من نفسه كما في هذه الآية وما يأتي بعد آيتين ، وليس ذلك إلا للدلالة على أن الله سبحانه نفسه هو المخوف الواجب الاحتراز في هذه المعصية ، أي ليس بين هذا المجرم وبينه تعالى شيء مخوف آخر حتى يتقى عنه بشيء أو يتحصن منه بحصن ، وإنما هو الله الذي لا عاصم منه ، ولا أن بينه وبين الله سبحانه أمر مرجو في دفع الشر عنه من ولي ولا شفيع ، ففي الكلام أشد التهديد ، ويزيد في اشتداده تكراره مرتين في مقام واحد ويؤكده تذييله أولا بقوله: وإلى الله المصير ، وثانيا بقوله: والله رءوف بالعباد على ما سيجيء من بيانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت