و أما أنه مليك على الإطلاق فهو لازم إطلاق كونه مالكا للموجودات فإن الموجودات أنفسها يملك بعضها بعضا كالأسباب حيث تملك مسبباتها ، والأشياء تملك قواها الفعالة ، والقوى الفعالة تملك أفعالها كالإنسان يملك اعضاءه وقواه الفعالة من سمع وبصر وغير ذلك ، وهي تملك أفعالها ، وإذ كان الله سبحانه يملك كل شيء فهو يملك كل من يملك منها شيئا ، ويملك ما يملكه ، وهذا هو الملك بالضم فهو مليك على الإطلاق ، قال تعالى:"له الملك وله الحمد": التغابن - 1 ، وقال تعالى:"عند مليك مقتدر": القمر - 55 ، إلى غير ذلك من الآيات ، هذا هو الحقيقي من الملك والملك.
وأما الاعتباري منها فإنه تعالى مالك لأنه هو المعطي لكل من يملك شيئا من المال ، ولو لم يملك لم يصح منه ذلك ولكان معطيا لما لا يملك لمن لا يملك ، قال تعالى:"و آتوهم من مال الله الذي آتاكم": النور - 33.
وهو تعالى مليك يملك ما في أيدي الناس لأنه شارع حاكم يتصرف بحكمه فيما يملكه الناس كما يتصرف الملوك فيما عند رعاياهم من المال ، قال تعالى:"قل أعوذ برب الناس ملك الناس": الناس - 2 ، وقال تعالى:"و آتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم - 34 ، وقال تعالى:"و أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه": الحديد - 7 ، وقال تعالى:"و ما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض": الحديد - 10 ، وقال تعالى:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن - 16 ، فهو تعالى يملك ما في أيدينا قبلنا ويملكه معنا وسيراه بعدنا عز ملكه.
ومن التأمل فيما تقدم يظهر أن قوله تعالى: اللهم مالك الملك ، مسوق: أولا: لبيان ملكه تعالى بالكسر لكل ملك بالضم ومالكية الملك بالضم هو الملك على الملك بالضم فيهما فهو ملك الملوك ، الذي هو المعطي لكل ملك ملكه كما قال تعالى:"أن آتاه الله الملك": البقرة - 258 ، وقال تعالى:"و آتيناهم ملكا عظيما": النساء - 54.
وثانيا: يدل بتقديم لفظ الجلالة على بيان السبب فهو تعالى مالك الملك لأنه الله جلت كبرياؤه وهو ظاهر.
وثالثا: أن المراد بالملك في الآية الشريفة والله أعلم ما هو أعم من الحقيقي والاعتباري فإن ما ذكر من أمره تعالى في الآية الأولى أعني قوله: تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء على ما سنوضحه من شئون الملك الاعتباري وما ذكره في الآية الثانية من شئون الملك الحقيقي فهو مالك الملك مطلقا.
قوله تعالى: تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ، الملك بإطلاقه شامل لكل ملك حقا أو باطلا عدلا أو جورا فإن الملك كما تقدم بيانه في قوله:"أن آتاه الله الملك"الآية": البقرة - 258 في نفسه موهبة من مواهب الله ونعمة يصلح لأن يترتب عليه آثار حسنة في المجتمع الإنساني وقد جبل الله النفوس على حبه والرغبة فيه ، والملك الذي تقلده غير أهله ليس بمذموم من حيث إنه ملك ، وإنما المذموم إما تقلد من لا يليق بتقلده كمن تقلده جورا وغصبا ، وإما سيرته الخبيثة مع قدرته على حسن السيرة ، ويرجع هذا الثاني أيضا بوجه إلى الأول."
وبوجه آخر يكون الملك بالنسبة إلى من هو أهله نعمة من الله سبحانه إليه ، وبالنسبة إلى غير أهله نقمة وهو على كل حال منسوب إلى الله سبحانه وفتنة يمتحن به عباده.
وقد تقدم: أن التعليق على المشية في أفعاله تعالى كما في هذه الآية ليس معناه وقوع الفعل جزافا تعالى عن ذلك بل المراد عدم كونه تعالى مجبرا في فعله ملزما عليه فهو تعالى يفعل ما يفعل بمشيته المطلقة من غير أن يجبره أحد أو يكرهه وإن جرى فعله على المصلحة دائما.
قوله تعالى: وتعز من تشاء وتذل من تشاء ، العز كون الشيء بحيث يصعب مناله ، ولذا يقال للشيء النادر الوجود إنه عزيز الوجود أي صعب المنال ، ويقال عزيز القوم لمن يصعب قهره والغلبة عليه من بينهم فهو صعب المنال بالقهر والغلبة ، وصعب المنال من حيث مقامه فيهم ووجدانه كل ما لهم من غير عكس ثم استعمل في كل صعوبة كما يقال: يعز علي كذا.
قال تعالى:"عزيز عليه ما عنتم": التوبة - 128 ، أي صعب عليه.
واستعمل في كل غلبة كما يقال.
من عز بز أي من غلب سلب ، قال تعالى:"و عزني في الخطاب": (صلى الله عليه وآله وسلم) - 23 ، أي غلبني والأصل في معناه ما مر.