فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 4314

و يقابله الذل وهو سهولة المنال بقهر محقق أو مفروض قال تعالى:"ضربت عليهم الذلة والمسكنة": البقرة - 61 ، وقال تعالى:"و اخفض لهما جناح الذل": الإسراء - 24 ، وقال تعالى أذلة على المؤمنين": المائدة - 54."

والعزة من لوازم الملك على الإطلاق وكل من سواه إذا تملك شيئا فهو تعالى خوله ذلك وملكه ، وإن ملك على قوم فهو تعالى آتاه ذلك فكانت العزة له تعالى محضا وما عند غيره منها فإنما هو بإيتائه وإفضاله.

قال تعالى:"أ يبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا": النساء - 139 وقال تعالى:"و لله العزة ولرسوله وللمؤمنين": المنافقون - 8 وهذه هي العزة الحقيقية وأما غيرها فإنما هي ذل في صورة عز.

قال تعالى:"بل الذين كفروا في عزة وشقاق": ص - 2 ولذا أردفه بقوله"كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص": ص - 3.

وللذل بالمقابلة ما يقابل العز من الحكم فكل شيء غيره تعالى ذليل في نفسه إلا من أعزه الله تعالى تعز من تشاء وتذل من تشاء.

قوله تعالى: بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ، الأصل في معنى الخير هو الانتخاب وإنما نسمي الشيء خيرا لأنا نقيسه إلى شيء آخر نريد أن نختار أحدهما فننتخبه فهو خير ولا نختاره إلا لكونه متضمنا لما نريده ونقصده فما نريده هو الخير بالحقيقة ، وإن كنا أردناه أيضا لشيء آخر فذلك الآخر هو الخير بالحقيقة ، وغيره خير من جهته ، فالخير بالحقيقة هو المطلوب لنفسه يسمى خيرا لكونه هو المطلوب إذا قيس إلى غيره ، وهو المنتخب من بين الأشياء إذا أردنا واحدا منها وترددنا في اختياره من بينها.

فالشيء كما عرفت إنما يسمى خيرا لكونه منتخبا إذا قيس إلى شيء آخر مؤثرا بالنسبة إلى ذلك الآخر ففي معناه نسبة إلى الغير ولذا قيل: إنه صيغة التفضيل وأصله أخير.

وليس بأفعل التفضيل ، وإنما يقبل انطباق معنى التفضيل على مورده فيتعلق بغيره كما يتعلق أفعل التفضيل ، يقال: زيد أفضل من عمرو ، وزيد أفضلهما ، ويقال: زيد خير من عمرو ، وزيد خيرهما.

ولو كان خير صيغة التفضيل لجرى فيه ما يجري عليه ، ويقال أفضل وأفاضل وفضلى وفضليات ، ولا يجري ذلك في خير بل يقال: خير وخيرة وأخيار وخيرات كما يقال: شيخ وشيخة وأشياخ وشيخات فهو صفة مشبهة.

ومما يؤيده استعماله في موارد لا يستقيم فيه معنى أفعل التفضيل كقوله تعالى:"قل ما عند الله خير من اللهو": الجمعة - 11 ، فلا خير في اللهو حتى يستقيم معنى أفعل ، وقد اعتذروا عنه وعن أمثاله بأنه منسلخ فيها عن معنى التفضيل ، وهو كما ترى.

فالحق أن الخير إنما يفيد معنى الانتخاب ، واشتمال ما يقابله من المقيس عليه على شيء من الخير من الخصوصيات الغالبة في الموارد.

ويظهر مما تقدم أن الله سبحانه هو الخير على الإطلاق لأنه الذي ينتهي إليه كل شيء ، ويرجع إليه كل شيء ، ويطلبه ويقصده كل شيء لكن القرآن الكريم لا يطلق عليه سبحانه الخير إطلاق الاسم كسائر أسمائه الحسنى جلت أسماؤه ، وإنما يطلقه عليه إطلاق التوصيف كقوله تعالى:"و الله خير وأبقى": طه - 73 ، وكقوله تعالى:"أ أرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار": يوسف - 39.

نعم وقع الإطلاق على نحو التسمية بالإضافة كقوله تعالى:"و الله خير الرازقين": الجمعة - 11 ، وقوله:"و هو خير الحاكمين": الأعراف - 87 ، وقوله"و هو خير الفاصلين": الأنعام - 57 ، وقوله:"و هو خير الناصرين": آل عمران - 150 ، وقوله"و الله خير الماكرين": آل عمران - 54 ، وقوله:"و أنت خير الفاتحين": الأعراف - 89 ، وقوله:"و أنت خير الغافرين": الأعراف - 155 ، وقوله:"و أنت خير الوارثين": الأنبياء - 89 ، وقوله:"و أنت خير المنزلين": المؤمنين - 29 ، وقوله:"و أنت خير الراحمين": المؤمنون - 109.

ولعل الوجه في جميع ذلك اعتبار ما في مادة الخير من معنى الانتخاب فلم يطلق إطلاق الاسم عليه تعالى صونا لساحته تعالى أن يقاس إلى غيره بنحو الإطلاق وقد عنت الوجوه لجنابه ، وأما التسمية عند الإضافة والنسبة ، وكذا التوصيف في الموارد المقتضية لذلك فلا محذور فيه.

والجملة أعني قوله تعالى: بيدك الخير تدل على حصر الخير فيه تعالى لمكان اللام وتقديم الظرف الذي هو الخبر ، والمعنى أن أمر كل خير مطلوب إليك ، وأنت المعطي المفيض إياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت