فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 4314

فالجملة في موضع التعليل لما تقدمت عليها من الجمل أعني قوله: تؤتي الملك من تشاء"الخ"من قبيل تعليل الخاص بما يعمه وغيره أعني أن الخير الذي يؤتيه تعالى أعم من الملك والعزة ، وهو ظاهر.

وكما يصح تعليل إيتاء الملك والإعزاز بالخير الذي بيده تعالى كذلك يصح تعليل نزع الملك والإذلال فإنهما وإن كانا شرين لكن ليس الشر إلا عدم الخير فنزع الملك ليس إلا عدم الإعزاز فانتهاء كل خير إليه تعالى هو الموجب لانتهاء كل حرمان من الخير بنحو إليه تعالى نعم الذي يجب انتفاؤه عنه تعالى هو الاتصاف بما لا يليق بساحة قدسه من نواقص أفعال العباد وقبائح المعاصي إلا بنحو الخذلان وعدم التوفيق كما مر البحث عن ذلك.

وبالجملة هناك خير وشر تكوينيان كالملك والعزة ونزع الملك والذلة ، والخير التكويني أمر وجودي من إيتاء الله تعالى ، والشر التكويني إنما هو عدم إيتاء الخير ولا ضير في انتسابه إلى الله سبحانه فإنه هو المالك للخير لا يملكه غيره ، فإذا أعطي غيره شيئا من الخير فله الأمر وله الحمد ، وإن لم يعط أو منع فلا حق لغيره عليه حتى يلزمه عليه فيكون امتناعه من الإعطاء ظلما ، على أن إعطاءه ومنعه كليهما مقارنان للمصالح العامة الدخيلة في صلاح النظام الدائر بين أجزاء العالم.

وهناك خير وشر تشريعيان وهما أقسام الطاعات والمعاصي ، وهما الأفعال الصادرة عن الإنسان من حيث انتسابها إلى اختياره ، ولا تستند من هذه الجهة إلى غير الإنسان قطعا ، وهذه النسبة هي الملاك لحسنها وقبحها ولو لا فرض اختيار في صدورها لم تتصف بحسن ولا قبح ، وهي من هذه الجهة لا تنتسب إليه تعالى إلا من حيث توفيقه تعالى وعدم توفيقه لمصالح تقتضي ذلك.

فقد تبين: أن الخير كله بيد الله وبذلك ينتظم أمر العالم في اشتماله على كل وجدان وحرمان وخير وشر.

وقد ذكر بعض المفسرين: أن في قوله: بيدك الخير إيجازا بالحذف ، والتقدير: بيدك الخير والشر كما قيل نظير ذلك في قوله تعالى:"و جعل لكم سرابيل تقيكم الحر": النحل - 81 ، أي والبرد.

وكان السبب في ذلك الفرار عن الاعتزال لقول المعتزلة بعدم استناد الشرور إليه تعالى: وهو من عجيب الاجتراء على كلامه تعالى ، والمعتزلة وإن أخطئوا في نفي الانتساب نفيا مطلقا حتى بالواسطة لكنه لا يجوز هذا التقدير الغريب ، وقد تقدم البحث عن ذلك وبيان حقيقة الأمر.

قوله تعالى: إنك على كل شيء قدير في مقام التعليل لكون الخير بيده تعالى فإن القدرة المطلقة على كل شيء توجب أن لا يقدر أحد على شيء إلا بإقداره تعالى إياه على ذلك ، ولو قدر أحد على شيء من غير أن تستند قدرته إلى إقداره تعالى كان مقدوره من هذه الجهة خارجا عن سعة قدرته تعالى فلم يكن قديرا على كل شيء ، وإذا كانت لقدرته هذه السعة كان كل خير مفروض مقدورا عليه له تعالى ، وكان أيضا كل خير إفاضة غيره منسوبا إليه مفاضا عن يديه فهو له أيضا فجنس الخير الذي لا يشذ منه شاذ بيده ، وهذا هو الحصر الذي يدل عليه قوله تعالى: بيدك الخير.

قوله تعالى: تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ، الولوج هو الدخول ، والظاهر كما ذكروه أن المراد من إيلاج الليل في النهار ، وإيلاج النهار في الليل ما هو المشاهد من اختلاف الليل والنهار في عرض السنة بحسب اختلاف عروض البقاع والأمكنة على بسيط الأرض ، واختلاف ميول الشمس فتأخذ الأيام في الطول والليالي في القصر وهو ولوج النهار في الليل بعد انتهاء الليالي في الطول من أول الشتاء إلى أول الصيف ، ثم يأخذ الليالي في الطول والأيام في القصر وهو ولوج الليل في النهار بعد انتهاء النهار في الطول من أول الصيف إلى أول الشتاء ، كل ذلك في البقاع الشمالية ، والأمر في البقاع الجنوبية على عكس الشمالية منها ، فالطول في جانب قصر في الجانب الآخر فهو تعالى يولج الليل في النهار والنهار في الليل دائما ، أما الاستواء في خط الإستواء والقطبين فإنما هو بحسب الحس وأما في الحقيقة فحكم التغيير دائم وشامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت