فمقتضى سمعه وبصره تعالى أن يرسل إليهم رسولا ويهديهم به إلى سعادتهم التي خلقوا لنيلها والتلبس بها فما كل الناس بصالحين للاتصال بعالم القدس وفيهم الخبيث والطيب والطالح والصالح ، والرسول رسولان رسول ملكي يأخذ الوحي منه تعالى ويؤديه إلى الرسول الإنساني ورسول إنساني يأخذ الوحي من الرسول الملكي ويلقيه إلى الناس وبالجملة قوله:"إن الله سميع بصير"يتضمن الحجة على لزوم أصل الإرسال ، وأما معنى الاصطفاء والحجة على لزومه فهو ما يشير إليه قوله:"يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم".
قوله تعالى:"يعلم بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور"ظاهر السياق أن ضمير الجمع في الموضعين للرسل من الملائكة والناس ، ويشهد وقوع هذا التعبير فيهم في غير هذا الموضع كقوله تعالى حكاية عن ملائكة الوحي:"و ما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا"الآية: مريم: 64 ، وقوله:"فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم:"الجن: 28.
والآية - كما ترى - تنادي بأن ذكر علمه بما بين أيديهم وما خلفهم لدلالة على أنه تعالى مراقب للطريق الذي يسلكه الوحي فيما بينه وبين الناس حافظ له أن يختل في نفسه بنسيان أو تغيير أو يفسد بشيء من مكائد الشياطين وتسويلاتهم كل ذلك لأن حملة الوحي من الرسل بعينه وبمشهد منه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وهو بالمرصاد.
ومن هنا يظهر أن المراد بما بين أيديهم هو ما بينهم وبين من يؤدون إليه فما بين أيدي الرسول الملكي هو ما بينه وبين الرسول الإنساني وما بين يدي الرسول الإنساني هو ما بينه وبين الناس ، والمراد بما خلفهم هو ما بينهم وبين الله سبحانه والجميع سائرون من جانب الله إلى الناس.
فالوحي في مأمن إلهي منذ يصدر من ساحة العظمة والكبرياء إلى أن يبلغ الناس ولازمه أن الرسل معصومون في تلقي الوحي ومعصومون في حفظه ومعصومون في إبلاغه للناس.
وقوله:"و إلى الله ترجع الأمور"في مقام التعليل لعلمه بما بين أيديهم وما خلفهم أي كيف يخفى عليه شيء من ذلك؟ وإليه يرجع جميع الأمور وإذ ليس هذا الرجوع رجوعا زمانيا حتى يجوز معه خفاء حاله قبل الرجوع وإنما هو مملوكية ذاته له تعالى فلا استقلال له منه ولا خفاء فيه له فافهم ذلك.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون"الأمر بالركوع والسجود أمر بالصلاة ومقتضى المقابلة أن يكون المراد بقوله:"و اعبدوا ربكم"الأمر بسائر العبادات المشرعة في الدين كالحج والصوم ويبقى لقوله:"و افعلوا الخير"سائر الأحكام والقوانين المشرعة فإن في إقامتها والعمل بها خير المجتمع وسعادة الأفراد وحياتهم كما قال:"استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم:"الأنفال: 24.
وفي الآية أمر بإجماع الشرائع الإسلامية من عبادات وغيرها.
قوله تعالى:"و جاهدوا في الله حق جهاده"إلى آخر الآية.
الجهاد بذل الجهد واستفراغ الوسع في مدافعة العدو ، ويطلق في الأكثر على المدافعة بالقتال لكن ربما يتوسع في معنى العدو حتى يشمل كل ما يتوقع منه الشر كالشيطان الذي يضل الإنسان والنفس الأمارة بالسوء وغير ذلك فيطلق اللفظ على مخالفة النفس في هواها والاجتناب عن طاعة الشيطان في وسوسته ، وقد سمى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفة النفس جهادا أكبر.
والظاهر أن المراد بالجهاد في الآية هو المعنى الأعم وخاصة بالنظر إلى تقييده بقوله: في الله وهو كل ما يرجع إليه تعالى ، ويؤيده أيضا قوله: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا: العنكبوت: 69.
وعلى ذلك فمعنى كون الجهاد فيه حق جهاده أن يكون متمحضا في معنى الجهاد ويكون خالصا لوجهه الكريم لا يشاركه فيه غيره نظير تقوى الله حق تقواه في قوله: اتقوا الله حق تقاته: آل عمران - 124.