و قوله:"ضرب مثل فاستمعوا له"المثل هو الوصف الذي يمثل الشيء في حالة سواء كان وصفا محققا واقعا أو مقدرا متخيلا كالأمثال التي تشتمل على محاورات الحيوانات والجمادات ومشافهاتها ، وضرب المثل نصبه ليتفكر فيه كضرب الخيمة ليسكن فيها.
وهذا المثل هو قوله:"إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه"والمعنى أنه لو فرض أن آلهتهم شاءوا أن يخلقوا ذبابا وهو أضعف الحيوانات عندهم لم يقدروا عليه أبدا وإن يسلبهم الذباب شيئا مما عليهم لا يستنقذوه بالانتزاع منه.
فهذا الوصف يمثل حال آلهتهم من دون الله في قدرتهم على الإيجاد وعلى تدبير الأمر حيث لا يقدرون على خلق ذباب وعلى تدبير أهون الأمور وهو استرداد ما أخذه الذباب منهم وأضرهم بذلك وكيف يستحق الدعوة والعبادة من كان هذا شأنه؟.
وقوله:"ضعف الطالب والمطلوب"مقتضى المقام أن يكون المراد بالطالب الآلهة وهي الأصنام المدعوة فإن المفروض أنهم يطلبون خلق الذباب فلا يقدرون واستنقاذ ما سلبه إياهم فلا يقدرون ، والمطلوب الذباب حيث يطلب ليخلق ويطلب ليستنقذ منه.
وفي هذه الجملة بيان غاية ضعفهم فإنهم أضعف من أضعف ما يستضعفه الناس من الحيوانات التي فيها شيء من الشعور والقدرة.
قوله تعالى:"ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز"قدر الشيء هندسته وتعيين كميته ويكنى به عن منزلة الشيء التي تقتضيها أوصافه ونعوته يقال: قدر الشيء حق قدره أي نزله المنزلة التي يستحقها وعامله بما يليق به.
وقدره تعالى حق القدر أن يلتزم بما يقتضيه صفاته العليا ويعامل كما يستحقه بأن يتخذ ربا لا رب غيره ويعبد وحده لا معبود سواه لكن المشركين ما قدروه حق قدره إذ لم يتخذوه ربا ولم يعبدوه بل اتخذوا الأصنام أربابا من دونه وعبدوها دونه وهم يرون أنها لا تقدر على خلق ذباب ويمكن أن يستذلها ذباب فهي من الضعف والذلة في نهايتهما ، والله سبحانه هو القوي العزيز الذي إليه ينتهي الخلق والأمر وهو القائم بالإيجاد والتدبير.
فقوله:"ما قدروا الله حق قدره"إشارة إلى عدم التزامهم بربوبيته تعالى وإعراضهم عن عبادته ثم اتخاذهم الأصنام أربابا من دونه يعبدونها خوفا وطمعا دونه تعالى.
وقوله:"إن الله لقوي عزيز"تعليل للنفي السابق وقد أطلق القوة والعزة فأفاد أنه قوي لا يعرضه ضعف وعزيز لا تعتريه ذلة كما قال:"إن القوة لله جميعا:"البقرة: 165 ، وقال:"فإن العزة لله جميعا:"النساء: 139 ، وإنما خص الاسمين بالذكر لمقابلتهما ما في المثل المضروب من صفة آلهتهم وهو الضعف والذلة فهؤلاء استهانوا أمر ربهم إذ عدلوا بينه تعالى وهو القوي الذي يخلق ما يشاء والعزيز الذي لا يغلبه شيء ولا يستذله من سواه وبين الأصنام والآلهة الذين يضعفون من خلق ذباب ويستذلهم ذباب ثم لم يرضوا بذلك حتى قدموهم عليه تعالى فاتخذوهم أربابا يعبدونهم دونه تعالى.
قوله تعالى:"الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير"الاصطفاء أخذ صفوة الشيء وخالصته ، قال الراغب: الاصطفاء تناول صفو الشيء كما أن الاختيار تناول خيره والاجتباء تناول جبايته.
انتهى.
فاصطفاء الله تعالى من الملائكة رسلا ومن الناس اختياره من بينهم من يصفو لذلك ويصلح.
وهذه الآية والتي بعدها تبينان وجوب جعل الرسالة وصفتها وصفة الرسل وهي العصمة ، وللكلام فيها بعض الاتصال بقوله السابق:"لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه"لإنبائه عن الرسالة.
تبين الآية أولا أن لله رسلا من الملائكة ومن الناس ، وثانيا أن هذه الرسالة ليست كيفما اتفقت وممن اتفق بل هي بالاصطفاء وتعيين من هو صالح لذلك.
وقوله:"إن الله سميع بصير"تعليل لأصل الإرسال فإن الناس أعني النوع الإنساني يحتاج حاجة فطرية إلى أن يهديهم الله سبحانه نحو سعادتهم وكمالهم المطلوب من خلقهم كسائر الأنواع الكونية فالحاجة نحو الهداية عامة ، وظهور الحاجة فيهم وإن شئت فقل: إظهارهم الحاجة من أنفسهم سؤال منهم واستدعاء لما ترتفع به حاجتهم والله سبحانه سميع بصير يرى ببصره ما هم عليه من الحاجة الفطرية إلى الهداية ويسمع بسمعه سؤالهم ذلك.