و لما كان نهيهم عن منازعته (صلى الله عليه وآله وسلم) في معنى أمره بطيب النفس من قبل نزاعهم ونهيه عن الاعتناء به عطف عليه قوله:"و ادع إلى ربك"كأنه قيل: طب نفسا ولا تعبأ بمنازعتهم واشتغل بما أمرت به وهو الدعوة إلى ربك.
وعلل ذلك بقوله:"إنك لعلى هدى مستقيم"وتوصيف الهدى بالاستقامة وهي وصف الصراط الذي إليه الهداية من المجاز العقلي.
قوله تعالى:"و إن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون"سياق الآية السابقة يؤيد أن المراد بهذا الجدال المجادلة والمراء في أمر اختلاف منسكه (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الشرائع السابقة بعد الاحتجاج عليه بنسخ الشرائع ، وقد أمر (صلى الله عليه وآله وسلم) بإرجاعهم إلى حكم الله من غير أن يشتغل بالمجادلة معهم بمثل ما يجادلون.
وقيل: المراد بقوله:"إن جادلوك"مطلق الجدال في أمر الدين ، وقيل: الجدال في أمر الذبيحة والسياق السابق لا يساعد عليه.
وقوله:"فقل الله أعلم بما تعملون"توطئة وتمهيد إلى إرجاعهم إلى حكم الله أي الله أعلم بعملكم ويحكم حكم من يعلم بحقيقة الحال ، وإنما يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون وتخالفون الحق وأهله - والاختلاف والتخالف بمعنى كالاستباق والتسابق -.
قوله تعالى:"أ لم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير"تعليل لعلمه تعالى بما يعملون أي إن ما يعملون بعض ما في السماء والأرض وهو يعلم جميع ما فيهما فهو يعلم بعملهم.
وقوله:"إن ذلك في كتاب"تأكيد لما تقدمه أي إن ما علمه من شيء مثبت في كتاب فلا يزول ولا ينسى ولا يسهو فهو محفوظ على ما هو عليه حين يحكم بينهم ، وقوله:"إن ذلك على الله يسير"أي ثبت ما يعلمه في كتاب محفوظ هين عليه.
قوله تعالى:"و يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم"إلخ الباء في"به"بمعنى مع ، والسلطان البرهان والحجة والمعنى ويعبد المشركون من دون الله شيئا - وهو ما اتخذوه شريكا له تعالى - لم ينزل الله معه حجة حتى يأخذوها ويحتجوا بها ولا أن لهم به علما.
قيل: إنما أضاف قوله:"و ما ليس لهم به علم"على قوله:"ما لم ينزل به سلطانا"لأن الإنسان قد يعلم أشياء من غير حجة ودليل كالضروريات.
وربما فسر نزول السلطان بالدليل السمعي ووجود العلم بالدليل العقلي أي يعبدون من دون الله ما لم يقم عليه دليل من ناحية الشرع ولا العقل ، وفيه أنه لا دليل عليه وتنزيل السلطان كما يصدق على تنزيل الوحي على النبي كذلك يصدق على تنزيل البرهان على القلوب.
وقوله:"و ما للظالمين من نصير"قيل: هو تهديد للمشركين والمراد أنه ليس لهم ناصر ينصرهم فيمنعهم من العذاب.
والظاهر - على ما يعطيه السياق - أنه في محل الاحتجاج على أن ليس لهم برهان على شركائهم ولا علم ، بأنه لو كان لهم حجة أو علم لكان لهم نصير ينصرهم إذ البرهان نصير لمن يحتج به والعلم نصير للعالم لكنهم ظالمون وما للظالمين من نصير فليس لهم برهان ولا علم ، وهذا من ألطف الاحتجاجات القرآنية.
قوله تعالى:"و إذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون"إلخ المنكر مصدر ميمي بمعنى الإنكار ، والمراد بمعرفة الإنكار في وجوههم معرفة أثر الإنكار والكراهة ، و"يسطون"من السطوة وهي على ما في مجمع البيان ،: إظهار الحال الهائلة للإخافة يقال سطا عليه يسطو سطوة وسطاعة والإنسان مسطو عليه ، والسطوة والبطشة بمعنى.
انتهى.
والمعنى: وإذا تتلى عليهم آياتنا والحال أنها واضحات الدلالة تعرف وتشهد في وجوه الذين كفروا أثر الإنكار يقربون من أن يبطشوا على الذين يتلون ويقرءون عليهم آياتنا لما يأخذهم من الغيظ.
وقوله:"قل أ فأنبئكم بشر من ذلكم"تفريع على إنكارهم وتحرزهم من استماع القرآن أي قل: أ فأخبركم بما هو شر من هذا الذي تعدونه شرا تحترزون منه وتتقون أن تسمعوه أ فأخبركم به لتتقوه إن كنتم تتقون.
وقوله:"النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير"بيان للشر أي ذلكم الذي هو شر من هذا هي النار ، وقوله:"وعدها الله"إلخ بيان لكونه شرا.
قوله تعالى:"يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له"إلى آخر الآية خطاب للناس جميعا والعناية بالمشركين منهم.