الثالث: أنه لو جاز التمثل بصورة الإنسان جاز التمثل بصورة غيره كالبعوض والحشرات وغيرها ومعلوم أن كل مذهب يجر إلى ذلك فهو باطل.
الرابع: أنه لو جاز ذلك ارتفع الوثوق بالخبر المتواتر كخبر مقاتلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر لجواز أن يكون المقاتل هو المتمثل به.
وأجيب عن الأول: بأنه لا يمتنع أن يكون لجبريل أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة ويتمكن بالأجزاء من أن يتمثل بشرا هذا على القول بأنه جسم وأما على القول بكونه روحانيا فلا استبعاد في أن يتدرع تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالهيكل الصغير.
وأنت ترى أن أول الشقين في الجواب كأصل الإشكال مبني على كون التمثل تغيرا من المتمثل في نفسه وبطلان صورته الأولى وانتقاله إلى صورة أخرى ، وقد تقدم أن التمثل ظهوره في صورة ما وهو في نفسه بخلافها.
والآية بسياقها ظاهرة في أن جبريل لم يخرج بالتمثل عن كونه ملكا ولا صار بشرا في نفسه وإنما ظهر لها في صورة البشر فهو كذلك في ظرف إدراكها لا في نفسه وفي الخارج عن ظرف إدراكها ، ونظير ذلك نزول الملائكة الكرام في قصة البشارة بإسحاق وتمثلهم لإبراهيم ولوط (عليهما السلام) في صورة البشر ، ونظيره ظهور إبليس في صورة سراقة بن مالك يوم بدر ، وقد أشار تعالى إليه في سورة الأنفال الآية 48 وقد كان سراقة يومئذ بمكة.
وفي الروايات من ذلك شيء كثير كتمثل إبليس يوم الندوة للمشركين في صورة شيخ كبير ، وتمثله يوم العقبة في صورة منبه بن الحجاج ، وتمثله ليحيى (عليه السلام) في صورة عجيبة ، ونظير تمثل الدنيا لعلي (عليه السلام) في صورة مرأة حسناء فتانة ، كما في الرواية ، وما ورد من تمثل المال والولد والعمل للإنسان عند الموت ، وما ورد من تمثل الأعمال للإنسان في القبر ويوم القيامة.
ومن هذا القبيل التمثلات المنامية كتمثل العدو في صورة الكلب أو الحية أو العقرب وتمثل الزوج في صورة النعل وتمثل العلاء في صورة الفرس والفخر في صورة التاج إلى غير ذلك.
فالمتمثل في أغلب هذه الموارد - كما ترى - من المعاني التي لا صورة لها في نفسها ولا شكل ، ولا يتحقق فيها تغير من صورة إلى صورة ولا من شكل إلى شكل كما عليه بناء الإشكال والجواب.
وأجيب عن الثاني: بأنه مشترك الورود فإن من اعترف بالصانع القادر يلزمه ذلك لجواز أن يخلق تعالى مثل زيد مثلا وبذلك يرتفع الوثوق ويمتنع القطع على حذو ما ذكر في الإشكال ، وكذا من لم يعترف بالصانع وأسند الحوادث إلى الأسباب الطبيعية أو الأوضاع السماوية يجوز عنده أن يتحقق من الأسباب ما يستتبع حدوث مثل زيد مثلا فيعود الإشكال.
ولعله لما كان مثل هذه الحوادث نادرا لم يلزم منه قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس فلا يلزم الشك في كون زيد الذي نشاهده الآن هو زيد الذي شاهدناه أمس.
وأنت خبير بأن هذا الجواب لا يحسم مادة الإشكال إذ تسليم المغايرة بين الحس والمحسوس كرؤية غير زيد في صورة زيد وإن كانت نادرة يبطل العلم الحسي ولا يبقى إلا أن يدعى أنه إنما يسمى علما لأن ندرة التخلف والخطإ تستوجب غفلة الإنسان عن الالتفات إلى الشك فيه واحتمال المغايرة بين الحس والمحسوس.
على أنه إذا جازت المغايرة وهي محتملة التحقق في كل مورد مورد لم يكن لنا سبيل إلى العلم بكونها نادرة فمن أين يعلم أن مثل ذلك نادر الوجود؟.
والحق أن الإشكال والجواب فاسدان من أصلهما: أما الإشكال فهو مبني على أن الذي يناله الحس هو عين المحسوس الخارجي بخارجيته دون الصورة المأخوذة منه ويتفرع على ذلك الغفلة عن معنى كون الأحكام الحسية بديهية والغفلة عن أن تحميل حكم الحس على المحسوس الخارجي إنما هو بالفكر والنظر لا بنفس الحس.