قوله تعالى:"و رفعنا لك ذكرك"رفع الذكر إعلاؤه عن مستوى ذكر غيره من الناس وقد فعل سبحانه به ذلك ، ومن رفع ذكره أن قرن الله اسمه (صلى الله عليه وآله وسلم) باسمه فاسمه قرين اسم ربه في الشهادتين اللتين هما أساس دين الله ، وعلى كل مسلم أن يذكره مع ربه كل يوم في الصلوات الخمس المفروضة ، ومن اللطف وقوع الرفع بعد الوضع في الآيتين.
قوله تعالى:"فإن مع العسر يسرا"لا يبعد أن يكون تعليلا لما تقدم من وضع الوزر ورفع الذكر فما حمله الله من الرسالة وأمر به من الدعوة - وذلك أثقل ما يمكن لبشر أن يحمله - كان قد اشتد عليه الأمر بذلك ، وكذا تكذيب قومه دعوته واستخفافهم به وإصرارهم على إمحاء ذكره كان قد اشتد عليه فوضع الله وزره الذي حمله بتوفيق الناس لإجابة دعوته ورفع ذكره الذي كانوا يريدون إمحاءه وكان ذلك جريا على سنته تعالى في الكون من الإتيان باليسر بعد العسر فعلل رفع الشدة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أشار إليه من سنته ، وعلى هذا فاللام في"العسر"للجنس دون الاستغراق ولعل السنة سنة تحول الحوادث وتقلب الأحوال وعدم دوامها.
وعن الزمخشري في الكشاف ، أن الفاء في"فإن مع العسر"إلخ فصيحة والكلام مسوق لتسليته (صلى الله عليه وآله وسلم) بالوعد الجميل.
قال: كان المشركون يعيرون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين بالفقر والضيقة حتى سبق إلى ذهنه الشريف أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم فذكره سبحانه ما أنعم به عليه من جلائل النعم ثم قال: إن مع العسر يسرا كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا.
وظاهره أن اللام في العسر للعهد دون الجنس وأن المراد باليسر ما رزقه الله المؤمنين بعد من الغنائم الكثيرة.
وهو ممنوع فذهنه الشريف (صلى الله عليه وآله وسلم) أجل من أن يخفى عليه حالهم وأنهم إنما يرغبون عن دعوته استكبارا على الحق واستعلاء على الله على أن القوم لم يرغبوا في الإسلام حتى بعد ظهور شوكته وإثراء المؤمنين وقد أيأس الله نبيه من إيمان أكثرهم حيث قال:"لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون - إلى أن قال - وسواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": يس: 10 والآيات مكية وقال: إن الذين كفروا سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون": البقرة: 6 والآية مدنية."
ولو حمل اليسر بعد العسر على شوكة الإسلام ورفعته بعد ضعته مع أخذ السورة مكية لم يكن به كثير بأس.
قوله تعالى:"إن مع العسر يسرا"تكرار للتأكيد والتثبيت وقيل: استئناف وذكروا أن في الآيتين دلالة على أن مع العسر الواحد يسران بناء على أن المعرفة إذا أعيدت ثانية في الكلام كان المراد بها عين الأولى بخلاف النكرة كما أنه لو قيل: إذا اكتسبت الدرهم أو درهما فأنفق الدرهم كان المراد بالثاني هو الأول بخلاف ما لو قيل: إذا اكتسبت درهما فأنفق درهما وليست القاعدة بمطردة.
والتنوين في"يسرا"للتنويع لا للتفخيم كما ذكره بعضهم ، والمعية معية التوالي دون المعية بمعنى التحقق في زمان واحد.
قوله تعالى:"فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب"خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) متفرع على ما بين قبل من تحميله الرسالة والدعوة ومنه تعالى عليه بما من من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر وكل ذلك من اليسر بعد العسر.
وعليه فالمعنى إذا كان العسر يأتي بعده اليسر والأمر فيه إلى الله لا غير فإذا فرغت مما فرض عليك فأتعب نفسك في الله - بعبادته ودعائه - وارغب فيه ليمن عليك بما لهذا التعب من الراحة ولهذا العسر من اليسر.
وقيل: المراد إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل ، وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء ، وما يتضمنه القولان بعض المصاديق.
وقيل: المعنى إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة وقيل: المراد إذا فرغت من دنياك فانصب في آخرتك وقيل غير ذلك وهي وجوه ضعيفة.