فهرس الكتاب

الصفحة 3079 من 4314

رجوع بعد رجوع إلى الامتنان بالفضل والرحمة ، لا يخلو هذا الاهتمام من تأييد لكون الإفك متعلق بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس إلا لكرامته على الله سبحانه.

وقد صرح في هذه المرة الثالثة بجواب لو لا وهو قوله:"ما زكى منكم من أحد أبدا"وهذا مما يدل عليه العقل فإن مفيض الخير والسعادة هو الله سبحانه ، والتعليم القرآني أيضا يعطيه كما قال تعالى:"بيدك الخير": آل عمران: 26 ، وقال:"ما أصابك من حسنة فمن الله": النساء: 79.

وقوله:"و لكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم"إضراب عما تقدمه فهو تعالى يزكي من يشاء فالأمر إلى مشيته ، ولا يشاء إلا تزكية من استعد لها وسأله بلسان استعداده

ذلك ، وإليه يشير قوله:"و الله سميع عليم"أي سميع لسؤال من سأله التزكية عليم بحال من استعد لها.

قوله تعالى:"و لا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله"إلخ ، الايتلاء التقصير والترك والحلف ، وكل من المعاني الثلاثة لا يخلو من مناسبة ، والمعنى لا يقصر أولوا الفضل منكم والسعة يعني الأغنياء في إيتاء أولي القرابة والمساكين والمهاجرين في سبيل الله من مالهم أو لا يترك إيتاءهم أو لا يحلف أن لا يؤتيهم - وليعفوا عنهم وليصفحوا - ثم حرضهم بقوله:"أ لا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم".

وفي الآية - على تقدير نزولها في جملة الآيات واتصالها بها - دلالة على أن بعض المؤمنين عزم على أن يقطع ما كان يؤتيه بعض أهل الإفك فنهاه الله عن ذلك وحثه على إدامة الإيتاء كما سيجيء.

قوله تعالى:"إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم"أخذ الصفات الثلاث الإحصان والغفلة والإيمان للدلالة على عظم المعصية فإن كلا من الإحصان بمعنى العفة والغفلة والإيمان سبب تام في كون الرمي ظلما والرامي ظالما والمرمية مظلومة فإذا اجتمعت كان الظلم أعظم ثم أعظم ، وجزاؤه اللعن في الدنيا والآخرة والعذاب العظيم ، والآية عامة وإن كان سبب نزولها لو نزلت في جملة آيات الإفك خاصا.

قوله تعالى:"يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون"الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة:"و لهم عذاب عظيم".

والمراد بقوله:"بما كانوا يعملون"كما يقتضيه إطلاقه مطلق الأعمال السيئة - كما قيل - لا خصوص الرمي بأن تشهد ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم على رميهم فالمراد بالشهادة شهادة الأعضاء على السيئات والمعاصي بحسب ما يناسبها فما كان منها من قبيل الأقوال كالقذف والكذب والغيبة ونحوها شهدت عليه الألسنة ، وما كان منها من قبيل الأفعال كالسرقة والمشي للنميمة والسعاية وغيرهما شهدت عليه بقية الأعضاء ، وإذ كان معظم المعاصي من الأفعال للأيدي والأرجل اختصتا بالذكر.

وبالحقيقة الشاهد على كل فعل هو العضو الذي صدر منه كما يشير إليه قوله تعالى:

"شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون": حم السجدة: 20 ، وقوله:"إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا": إسراء - 36 ، وقوله:"اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون": يس: 65 ، وسيأتي الكلام على شهادة الأعضاء يوم القيامة في بحث مستقل في تفسير سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى:"يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين"المراد بالدين الجزاء كما في قوله:"مالك يوم الدين": الحمد: 4 ، وتوفية الشيء بذله تاما كاملا ، والمعنى: يوم القيامة يؤتيهم الله جزاءهم الحق إيتاء تاما كاملا ويعلمون أن الله هو الحق المبين"."

هذا بالنظر إلى اتصال الآية بما قبلها ووقوعها في سياق ما تقدمها ، وأما بالنظر إلى استقلالها في نفسها فمن الممكن أن يراد بالدين ما يرادف الملة وهو سنة الحياة ، وهو معنى عال يرجع إلى ظهور الحقائق يوم القيامة للإنسان ، ويكون أكثر مناسبة لقوله:"و يعلمون أن الله هو الحق المبين".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت