فهرس الكتاب

الصفحة 1047 من 4314

و التجربة تصدق ذلك فإن هذا الانحراف هو الذي نشاهده في الأفراد المسرفين المترفين من حلفاء الشهوة ، وفي البغاة الطغاة الظلمة المفسدين أمر الحياة في المجتمع الإنساني فإن هؤلاء الخائضين في لجج الشهوات ، العاكفين على لذائذ الشرب والسماع والوصال لا يكادون يستطيعون التفكر في واجبات الإنسانية ، ومهام الأمور التي يتنافس فيها أبطال الرجال وقد تسربت روح الشهوة في قعودهم وقيامهم واجتماعهم وافتراقهم وغير ذلك وكذلك الطغاة المستكبرون أقسياء القلوب لا يتأتى لهم أن يتصوروا رأفة وشفقة ورحمة وخضوعا وتذللا حتى فيما يجب فيه ذلك ، وحياتهم تمثل حالهم الخبيث الذي هم عليه في جميع مظاهرها من تكلم وسكوت ونظر وغض وإقبال وإدبار ، فهؤلاء جميعا سالكوا طريق الخطإ في علومهم ، كل طائفة منهم مكبة على ما تناله من العلوم والأفكار المحرفة المنحرفة المتعلقة بما عنده ، غافلون عما وراءه وفيما وراءه ، العلوم النافعة والمعارف الحقة الإنسانية فالمعارف الحقة والعلوم النافعة لا تتم للإنسان إلا إذا صلحت أخلاقه وتمت له الفضائل الإنسانية القيمة وهو التقوى.

فقد تحصل أن الأعمال الصالحة هي التي تحفظ الأخلاق الحسنة ، والأخلاق الحسنة هي التي تحفظ المعارف الحقة والعلوم النافعة والأفكار الصحيحة ، ولا خير في علم لا عمل معه.

وهذا البحث وإن سقناه سوقا علميا أخلاقيا لمسيس الحاجة إلى التوضيح إلا أنه هو الذي جمعه الله تعالى في كلمة حيث قال:"و اقصد في مشيك": لقمان: 19 فإنه كناية عن أخذ وسط الاعتدال في مسير الحياة ، وقال:"إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا": الأنفال: 29 وقال:"و تزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب": البقرة: 179 ، أي لأنكم أولوا الألباب تحتاجون في عمل لبكم إلى التقوى والله أعلم ، وقال تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها": الشمس: 10 وقال:"و اتقوا الله لعلكم تفلحون: آل عمران: 103."

ومن طريق آخر: قال تعالى:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وءامن وعمل صالحا": مريم: 60 فذكر أن اتباع الشهوات يسوق إلى الغي ، وقال تعالى:"سأصرف عن ءاياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين": الأعراف: 164 فذكر أن أسراء القوى الغضبية ممنوعون من اتباع الحق مسوقون إلى سبيل الغي ، ثم ذكر أن ذلك بسبب غفلتهم عن الحق ، وقال تعالى:"و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون: الأعراف: 197 فذكر أن هؤلاء الغافلين إنما هم غافلون عن حقائق المعارف التي للإنسان ، فقلوبهم وأعينهم وآذانهم بمعزل عن نيل ما يناله الإنسان ، السعيد في إنسانيته ، وإنما ينالون بها ما تناله الأنعام أو ما هو أضل من الأنعام وهي الأفكار التي إنما تصوبها وتميل إليها وتألف بها البهائم السائمة والسباع الضارية."

فظهر من جميع ما تقدم أن القرآن الكريم إنما اشترط التقوى في التفكر والتذكر والتعقل ، وقارن العلم بالعمل للحصول على استقامة الفكر وإصابة العلم وخلوصه من شوائب الأوهام الحيوانية والإلقاءات الشيطانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت