فهرس الكتاب

الصفحة 4217 من 4314

على أنها تقطع ما في الآيات من السياق الواحد المتصل الذي يحاذي به ما في الآيات الأربع الآتية في صفة كتاب الأبرار من السياق الواحد المتصل فلا نطيل الكلام بالتعرض لواحد واحد منها والمناقشة فيها.

قوله تعالى:"الذين يكذبون بيوم الدين"تفسير للمكذبين وظاهر الآية - ويؤيده الآيات التالية - أن المراد بالتكذيب هو التكذيب القولي الصريح فيختص الذم بالكفار ولا يشمل الفسقة من أهل الإيمان فلا يشمل مطلق المطففين بل الكفار منهم.

اللهم إلا أن يراد بالتكذيب ما يعم التكذيب العملي كما ربما أيده قوله السابق:"أ لا يظن أولئك أنهم مبعوثون"فيشمل الفجار من المؤمنين كالكفار.

قوله تعالى:"و ما يكذب به إلا كل معتد أثيم"المعتدي اسم فاعل من الاعتداء بمعنى التجاوز والمراد به المتجاوز عن حدود العبودية ، والأثيم كثير الآثام بحيث تراكم بعضها على بعض بانهماكه في الأهواء.

ومن المعلوم أن المانع الوحيد الذي يردع عن المعصية هو الإيمان بالبعث والجزاء ، والمنهمك في الأهواء المتعلق قلبه بالاعتداء والآثم تأبى نفسه التسليم لما يردع عنها والتزهد عن المعاصي وينتهي إلى تكذيب البعث والجزاء قال تعالى:"ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون": الروم: 10.

قوله تعالى:"إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين"المراد بالآيات آيات القرآن بقرينة قوله"تتلى"والأساطير ما سطروه وكتبوه والمراد بها أباطيل الأمم الماضين والمعنى إذا تتلى عليه آيات القرآن مما يحذرهم المعصية وينذرهم بالبعث والجزاء قال: هي أباطيل.

قوله تعالى:"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون"ردع عما قاله المكذبون:"أساطير الأولين"قال الراغب: الرين صدا يعلو الشيء الجليل قال تعالى:"بل ران على قلوبهم"أي صار ذلك كصدء على جلاء قلوبهم فعمي عليهم معرفة الخير من الشر ، انتهى.

فكون ما كانوا يكسبون وهو الذنوب رينا على قلوبهم هو حيلولة الذنوب بينهم وبين أن يدركوا الحق على ما هو عليه.

ويظهر من الآية: أولا: أن للأعمال السيئة نقوشا وصورا في النفس تنتقش وتتصور بها.

وثانيا: أن هذه النقوش والصور تمنع النفس أن تدرك الحق كما هو وتحول بينها وبينه.

وثالثا: أن للنفس بحسب طبعها الأولي صفاء وجلاء تدرك به الحق كما هو وتميز بينه وبين الباطل وتفرق بين التقوى والفجور قال تعالى:"و نفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها": الشمس: 8.

قوله تعالى:"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون"ردع عن كسب الذنوب الحائلة بين القلب وإدراك الحق ، والمراد بكونهم محجوبين عن ربهم يوم القيامة حرمانهم من كرامة القرب والمنزلة ولعله مراد من قال: إن المراد كونهم محجوبين عن رحمة ربهم.

وأما ارتفاع الحجاب بمعنى سقوط الأسباب المتوسطة بينه تعالى وبين خلقه والمعرفة التامة به تعالى فهو حاصل لكل أحد قال تعالى:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن: 16 وقال:"و يعلمون أن الله هو الحق المبين": النور: 25.

قوله تعالى:"ثم إنهم لصالوا الجحيم"أي داخلون فيها ملازمون لها أو مقاسون حرها على ما فسره بعضهم و"ثم"في الآية وما بعدها للتراخي بحسب رتبة الكلام.

قوله تعالى:"ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون"هو توبيخ وتقريع والقائل خزنة النار أو أهل الجنة.

قوله تعالى:"كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم"ردع في معنى الردع الذي في قوله:"كلا إن كتاب الفجار"وعليون - كما تقدم - علو على علو مضاعف ، وينطبق على الدرجات العالية ومنازل القرب من الله تعالى كما أن السجين بخلافه.

والكلام في معنى الآيات الثلاث نظير الكلام في الآيات الثلاث المتقدمة التي تحاذيها من قوله:"إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم".

فالمعنى أن الذي كتب للأبرار وقضي جزاء لبرهم لفي عليين وما أدراك ما عليون هو أمر مكتوب ومقضي قضاء حتما لازما متبين لا إبهام فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت