و الاكتفاء بظن البعث وحسبانه - مع أن من الواجب الاعتقاد العلمي بالمعاد - لأن مجرد حسبان الخطر والضرر في عمل يوجب التجنب عنه والتحرز عن اقترافه وإن لم يكن هناك علم فالظن بالبعث ليوم عظيم يؤاخذ الله فيه الناس بما كسبوا من شأنه أن يردعهم عن اقتراف هذا الذنب العظيم الذي يستتبع العذاب الأليم.
وقيل: الظن في الآية بمعنى العلم.
قوله تعالى:"يوم يقوم الناس لرب العالمين"المراد به قيامهم من قبورهم - كناية عن تلبسهم بالحياة بعد الممات - لحكمه تعالى وقضائه بينهم.
قوله تعالى:"كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين"ردع - كما قيل - عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن البعث والحساب.
وقوله:"إن كتاب الفجار لفي سجين"إلخ الذي يعطيه التدبر في سياق الآيات الأربع بقياس بعضها إلى بعض وقياس المجموع إلى مجموع قوله:"كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين"إلى تمام أربع آيات أن المراد بسجين ما يقابل عليين ومعناه علو على علو مضاعف ففيه شيء من معنى السفل والانحباس فيه كما يشير إليه قوله:"ثم رددناه أسفل سافلين": التين: 5 فالأقرب أن يكون مبالغة من السجن بمعنى الحبس كسكير وشريب من السكر والشرب فمعناه الذي يحبس من دخله على التخليد كما قيل.
والكتاب بمعنى المكتوب من الكتابة بمعنى القضاء المحتوم والمراد بكتاب الفجار ما قدره الله لهم من الجزاء وأثبته بقضائه المحتوم.
فمحصل الآية أن الذي أثبته الله من جزائهم أو عده لهم لفي سجين الذي هو سجن يحبس من دخله حبسا طويلا أو خالدا.
وقوله:"و ما أدراك ما سجين"مسوق للتهويل.
وقوله:"كتاب مرقوم"خبر لمبتدإ محذوف هو ضمير راجع إلى سجين والجملة بيان لسجين و"كتاب"أيضا بمعنى المكتوب من الكتابة بمعنى القضاء والإثبات ، و"مرقوم"من الرقم ، قال الراغب: الرقم الخط الغليظ ، وقيل: هو تعجيم الكتاب ، وقوله تعالى:"كتاب مرقوم"حمل على الوجهين.
انتهى ، والمعنى الثاني أنسب للمقام فيكون إشارة إلى كون ما كتب لهم متبينا لا إبهام فيه أي إن القضاء حتم لا يتخلف.
والمحصل أن سجين مقضي عليهم مثبت لهم متبين متميز لا إبهام فيه.
ولا ضير في لزوم كون الكتاب ظرفا للكتاب على هذا المعنى لأن ذلك من ظرفية الكل للجزء وهي مما لا ضير فيه فيكون سجين كتابا جامعا فيه ما قضي على الفجار وغيرهم من مستحقي العذاب.
وقوله:"ويل يومئذ للمكذبين"نعي ودعاء على الفجار وفيه تفسيرهم بالمكذبين ، و"يومئذ"ظرف لقوله:"إن كتاب الفجار لفي سجين"بحسب المعنى أي ليهلك الفجار - وهم المكذبون - يومئذ تحقق ما كتب الله لهم وقضى عليهم من الجزاء وحل بهم ما أعد لهم من العذاب.
هذا ما يفيده التدبر في هذه الآيات الأربع ، وهي ذات سياق واحد متصل متلائم الأجزاء.
وللقوم في تفسير مفردات الآيات الأربع وجملها أقوال متفرقة كقولهم: إن الكتاب في قوله:"إن كتاب الفجار"بمعنى المكتوب والمراد به صحيفة أعمالهم ، وقيل: مصدر بمعنى الكتابة وفي الكلام مضاف محذوف والتقدير كتابة عمل الفجار لفي سجين.
وقولهم: إن الفجار أعم من المكذبين فيشمل الكفار والفسقة جميعا.
وقولهم: إن المراد بسجين الأرض السابعة السفلى يوضع فيها كتاب الفجار وقيل: واد في جهنم ، وقيل: جب فيها ، وقيل: سجين اسم لكتابهم ، وقيل: سجين الأول اسم الموضع الذي يوضع فيه كتابهم والثاني اسم كتابهم ، وقيل: هو اسم كتاب جامع هو ديوان الشر دون فيه أعمال الفجرة من الثقلين ، وقيل: المراد به الخسار والهوان فهو كقولهم: بلغ فلان الحضيض إذا صار في غاية الخمول ، وقيل: هو السجيل بدل لامه نونا كما يقال جبرين في جبريل إلى غير ذلك مما قيل.
وقولهم: إن قوله:"كتاب مرقوم"ليس بيانا وتفسيرا لسجين بل تفسير للكتاب المذكور في قوله:"إن كتاب الفجار".
وقولهم: إن قوله:"ويل يومئذ للمكذبين"متصل بقوله:"يوم يقوم الناس لرب العالمين"والآيات الثلاث الواقعة بين الآيتين اعتراض.
وأنت إن تأملت هذه الأقاويل وجدت كثيرا منها تحكما محضا لا دليل عليه.