و قيل في السنة الخامسة ، أو السادسة ، وقيل بعد البعثة بعشر سنين وثلاثة أشهر ، وقيل: في السنة الثانية عشرة منها ، وقيل: قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر ، وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر ، وقيل: قبلها بستة أشهر.
ولا يهمنا الغور في البحث عن ذلك ولا عن الشهر واليوم الذي وقع فيه الإسراء ولا مستند يصح التعويل عليه لكن ينبغي أن يتنبه أن من الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما يصرح بوقوع الإسراء مرتين ، وهو المستفاد من آيات سورة النجم حيث يقول سبحانه:"و لقد رآه نزلة أخرى"الآيات على ما سيوافيك إن شاء الله من تفسيره.
وعلى هذا فمن الجائز أن يكون ما وصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض الروايات من عجيب ما شاهده راجعا إلى ما شاهده في الإسراء الأول وبعض ما وصفه في بعض آخر راجعا إلى الإسراء الثاني ، وبعضه مما شاهده في الإسراءين معا.
ثم اختلفوا في المكان الذي أسري به (صلى الله عليه وآله وسلم) منه فقيل: أسري به من شعب أبي طالب وقيل: أسري به من بيت أم هاني وفي بعض الروايات دلالة على ذلك وقد أولوا قوله تعالى:"أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام"إلى أن المراد بالمسجد الحرام الحرم كله مجازا فيشمل مكة ، وقيل: أسري به من نفس المسجد الحرام لظهور الآية الكريمة فيه ولا دليل على التأويل.
ومن الجائز بالنظر إلى ما نبهنا به من كون الإسراء مرتين أن يكون أحد الإسراءين من المسجد الحرام والآخر من بيت أم هاني ، وأما كونه من الشعب فما ذكر فيما ذكر فيه من الروايات أن أبا طالب كان يطلبه طول ليلته وأنه اجتمع هو وبنو هاشم في المسجد الحرام ثم سل سيفه وهدد قريشا إن لم يحصل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم نزوله من السماء ومجيئه إليهم وإخباره قريشا بما رأى كل ذلك لا يلائم ما كان هو (صلى الله عليه وآله وسلم) وبنو هاشم جميعا عليه من الشدة والبلية أيام كانوا في الشعب.
وعلى أي حال فالإسراء الذي تعطيه الآية:"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى"وهو الإسراء الذي كان إلى بيت المقدس كان مبدؤه المسجد الحرام لكمال ظهور الآية ولا موجب للتأويل.
ثم اختلفوا في كيفية الإسراء فقيل: كان إسراؤه (عليه السلام) بروحه وجسده من المسجد الحرام إلى بيت المقدس ثم منه إلى السماوات وعليه الأكثر وقيل: كان بروحه وجسده من مكة إلى بيت المقدس ثم بروحه من بيت المقدس إلى السماوات وعليه جمع ، وقيل: كان بروحه (عليه السلام) وهو رؤيا صادقة أراها الله نبيه ونسب إلى بعضهم.
قال في المناقب ،: اختلف الناس في المعراج فالخوارج ينكرونه ، وقالت الجهمية: عرج بروحه دون جسمه على طريق الرؤيا ، وقالت الإمامية والزيدية والمعتزلة: بل عرج بروحه وبجسمه إلى البيت المقدس لقوله تعالى:"إلى المسجد الأقصى"وقال آخرون: بل عرج بروحه وبجسمه إلى السماوات: روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وجابر وحذيفة وأنس وعائشة وأم هاني. ونحن لا ننكر ذلك إذا قامت الدلالة ، وقد جعل الله معراج موسى إلى الطور"و ما كنت بجانب الطور"ولإبراهيم إلى السماء الدنيا"و كذلك نري إبراهيم"ولعيسى إلى الرابعة"بل رفعه الله إليه"ولإدريس إلى الجنة"و رفعناه مكانا عليا"ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) "فكان قاب قوسين"وذلك لعلو همته.
انتهى.
والذي ينبغي أن يقال أن أصل الإسراء مما لا سبيل إلى إنكاره فقد نص عليه القرآن وتواترت عليه الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة من أهل بيته (عليهم السلام) .