فهرس الكتاب

الصفحة 3549 من 4314

و أما على قول بعض المفسرين من أن المتخاصمين الداخلين عليه كانوا بشرا والقصة على ظاهرها فينبغي أن يؤخذ قوله:"لقد ظلمك"إلخ قضاء تقديريا أي إنك مظلوم لو لم يأت خصيمك بحجة بينة ، وإنما ذلك لحفظ على ما قامت عليه الحجة من طريقي العقل والنقل أن الأنبياء معصومون بعصمة من الله لا يجوز عليهم كبيرة ولا صغيرة.

على أن الله سبحانه صرح قبلا بأنه آتاه الحكمة وفصل الخطاب ولا يلائم ذلك خطأه في القضاء.

قوله تعالى:"و إن له عندنا لزلفى وحسن مآب"الزلفة والزلفى المنزلة والحظوة ، والمآب المرجع ، وتنكير"زلفى"و"مآب"للتفخيم ، والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض"إلى آخر الآية الظاهر أن الكلام بتقدير القول والتقدير فغفرنا له ذلك وقلنا يا داود"إلخ".

وظاهر الخلافة أنها خلافة الله فتنطبق على ما في قوله تعالى:"و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة:"البقرة: - 30 ومن شأن الخلافة أن يحاكي الخليفة من استخلفه في صفاته وأعماله فعلى خليفة الله في الأرض أن يتخلق بأخلاق الله ويريد ويفعل ما يريده الله ويحكم ويقضي بما يقضي به الله - والله يقضي بالحق - ويسلك سبيل الله ولا يتعداها.

ولذلك فرع على جعل خلافته قوله:"فاحكم بين الناس بالحق"وهذا يؤيد أن المراد بجعل خلافته إخراجها من القوة إلى الفعل في حقه لا مجرد الخلافة الشأنية لأن الله أكمله في صفاته وآتاه الملك يحكم بين الناس.

وقول بعضهم: إن المراد بخلافته المجعولة خلافته ممن قبله من الأنبياء وتفريع قوله:"فاحكم بين الناس بالحق"لأن الخلافة نعمة عظيمة شكرها العدل أو أن المترتب هو مطلق الحكم بين الناس الذي هو من آثار الخلافة وتقييده بالحق لأن سداده به ، تصرف في اللفظ من غير شاهد.

وقوله:"و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله"العطف والمقابلة بينه وبين ما قبله يعطيان أن المعنى ولا تتبع في قضائك الهوى هوى النفس فيضلك عن الحق الذي هو سبيل الله فتفيد الآية أن سبيل الله هو الحق.

قال بعضهم: إن في أمره (عليه السلام) بالحكم بالحق ونهيه عن اتباع الهوى تنبيها لغيره ممن يلي أمور الناس أن يحكم بينهم بالحق ولا يتبع الباطل وإلا فهو (عليه السلام) من حيث إنه معصوم لا يحكم إلا بالحق ولا يتبع الباطل.

وفيه أن أمر تنبيه غيره بما وجه إليه من التكليف في محله لكن عصمة المعصوم وعدم حكمه إلا بالحق لا يمنع توجه التكليف بالأمر والنهي إليه فإن العصمة لا توجب سلب اختياره وما دام اختياره باقيا جاز بل وجب توجه التكليف إليه كما يتوجه إلى غيره من الناس ، ولو لا توجه التكليف إلى المعصوم لم يتحقق بالنسبة إليه واجب ومحرم ولم تتميز طاعة من معصية فلغا معنى العصمة التي هي المصونية عن المعصية.

وقوله:"إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب"تعليل للنهي عن اتباع الهوى بأنه يلازم نسيان يوم الحساب وفي نسيانه عذاب شديد والمراد بنسيانه عدم الاعتناء بأمره.

وفي الآية دلالة على أن كل ضلال عن سبيل الله سبحانه بمعصية من المعاصي لا ينفك عن نسيان يوم الحساب.

قوله تعالى:"و ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا"إلى آخر الآية ، لما انتهى الكلام إلى ذكر يوم الحساب عطف عنان البيان عليه فاحتج عليه بحجتين إحداهما ما ساقه في هذه الآية بقوله:"و ما خلقنا السماء"إلخ وهو احتجاج من طريق الغايات إذ لو لم يكن خلق السماء والأرض وما بينهما - وهي أمور مخلوقة مؤجلة توجد وتفنى - مؤديا إلى غاية ثابتة باقية غير مؤجلة كان باطلا والباطل بمعنى ما لا غاية له ممتنع التحقق في الأعيان.

على أنه مستحيل من الحكيم ولا ريب في حكمته تعالى.

وربما أطلق الباطل وأريد به اللعب ولو كان المراد ذلك كانت الآية في معنى قوله:"و ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق:"الدخان: - 39.

وقيل: الآية عطف على ما قبلها بحسب المعنى كأنه قيل: ولا تتبع الهوى لأنه يكون سببا لضلالك ولأنه تعالى لم يخلق العالم لأجل اتباع الهوى وهو الباطل بل خلقه للتوحيد ومتابعة الشرع.

وفيه أن الآية التالية:"أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض"إلخ لا تلائم هذا المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت