و لذلك لما سمع الجاثليق ذلك سأله (عليه السلام) عن قوله تعالى:"و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية"فإن حمل وجود الشيء بالمعنى المتقدم يختص به تعالى لا يشاركه فيه غيره مع أن الآية تنسبه إلى غيره! ففسر (عليه السلام) الحمل ثانيا بحمل العلم وفسر العرش بالعلم.
غير أن ذلك حيث كان يوهم المناقضة بين التفسيرين زاد (عليه السلام) في توضيح ما ذكره من كون العرش هو العلم إن هذا العلم غير ما هو المتبادر إلى الأفهام العامية من العلم وهو العلم الحصولي الذي هو الصورة النفسانية بل هو نور عظمته وقدرته حضرت لهؤلاء الحملة بإذن الله وشوهدت لهم فسمي ذلك حملا ، وهو مع ذلك محمول له تعالى ولا منافاة كما أن وجود أفعالنا حاضرة عندنا محمولة لنا وهي مع ذلك حاضرة عند الله سبحانه محمولة له وهو المالك الذي ملكنا إياها.
فنور العظمة الإلهية وقدرته الذي ظهر به جميع الأشياء هو العرش الذي يحيط بما دونه وهو ملكه تعالى لكل شيء دون العرش وهو تعالى الحامل لهذا النور ثم الذين كشف الله لهم عن هذا النور يحملونه بإذن الله ، والله سبحانه هو الحامل للحامل والمحمول جميعا.
فالعرش في قوله:"ثم استوى على العرش"- وإن شئت قلت: الاستواء على العرش هو الملك ، وفي قوله:"و يحمل عرش ربك"الآية هو العلم ، وهما جميعا واحد وهو المقام الذي يظهر به جميع الأشياء ويتمركز فيه إجمال جميع التدابير التفصيلية الجارية في نظام الوجود فهو مقام الملك الذي يصدر منه التدابير ، ومقام العلم الذي يظهر به الأشياء.
وقوله (عليه السلام) : فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين"إلخ"يريد أن هذا المقام هو المقام الذي ينشأ منه تدبير نظام السعادة الذي وقع فيه مجتمع المؤمنين وتسير عليه قافلتهم في مسيرهم إلى الله سبحانه ، وينشأ منه نظام الشقاء الذي ينبسط على جميع المعاندين أعداء الله الجاهلين بمقام ربهم بل المقام الذي ينشأ منه النظام العالمي العام الذي يعيش تحته كل ذي وجود ، ويسير به سائرهم للتقرب إليه بأعمالهم وسننهم سواء علموا بما هم فيه من ابتغاء الوسيلة إليه تعالى أو جهلوا.
وقوله (عليه السلام) :"و هو حياة كل شيء ونور كل شيء"كالتعليل المبين لقوله قبله فكل شيء محمول يحمله الله إلى آخر ما قال.
ومحصله أنه تعالى هو الذي به يوجد كل شيء ، وهو الذي يدرك كل شيء فيظهر به طريقه الخاص به في مسير وجوده ظهور الطريق المظلم لسائره بواسطة النور فهي لا تملك لأنفسها شيئا بل الله سبحانه هو المالك لها الحامل لوجودها.
وقوله (عليه السلام) : هو هاهنا وهاهنا وفوق وتحت"إلخ"يريد أن الله سبحانه لما كان مقوما لوجود كل شيء حافظا وحاملا له لم يكن محل من المحال خاليا عنه ، ولا هو مختصا بمكان دون مكان ، وكان معنى كونه في مكان أو مع شيء ذي مكان أنه تعالى حافظ له وحامل لوجوده ومحيط به ، وهو وكذا غيره محفوظ بحفظه تعالى ومحمول ومحاط له.
وهذا يئول إلى علمه الفعلي بالأشياء ، ونعني به أن كل شيء حاضر عنده تعالى غير محجوب عنه ، ولذلك قال (عليه السلام) أولا:"فالكرسي محيط بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى"فأشار إلى الإحاطة ثم عقبه بقوله:"و إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى"فأشار إلى العلم فأنتج ذلك أن الكرسي ويعني به العرش مقام الإحاطة والتدبير والحفظ ، وأنه مقام العلم والحضور بعينه ، ثم طبقه على قوله تعالى:"وسع كرسيه السماوات والأرض"الآية.
وقوله (عليه السلام) :"و ليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلق الله في ملكوته"كأنه إشارة إلى الألوان الأربعة المذكورة في أول كلامه (عليه السلام) وسيجيء كلام فيها في أحاديث المعراج إن شاء الله.
وقوله (عليه السلام) "و هو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه"فالعرش هو الملكوت غير أن الملكوت اثنان ملكوت أعلى وملكوت أسفل ، والعرش لكونه مقام الإجمال وباطن البابين من الغيب كما سيأتي ما يدل على ذلك من الرواية كان الأحرى به أن يكون الملكوت الأعلى.