فهرس الكتاب

الصفحة 4277 من 4314

و المراد بكون الصحف مطهرة تقدسها من قذارة الباطل بمس الشياطين ، وقد تكرر منه تعالى أنه حق مصون من مداخلة الشياطين وقال:"لا يمسه إلا المطهرون": الواقعة: 79.

وقوله:"فيها كتب قيمة"الكتب جمع كتاب ومعناه المكتوب ويطلق على اللوح والقرطاس ونحوهما المنقوشة فيها الألفاظ وعلى نفس الألفاظ التي تحكي عنها النقوش ، وربما يطلق على المعاني بما أنها محكية بالألفاظ ، ويطلق أيضا على الحكم والقضاء يقال كتب عليه كذا أي قضى أن يفعل كذا قال تعالى:"كتب عليكم الصيام": البقرة: 183 وقال:"كتب عليكم القتال": البقرة: 216.

والظاهر أن المراد بالكتب التي في الصحف الأحكام والقضايا الإلهية المتعلقة بالاعتقاد والعمل ، ومن الدليل عليه توصيفها بالقيامة فإنها من القيام بالشيء بمعنى حفظه ومراعاة مصلحته وضمان سعادته قال تعالى:"أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم": يوسف: 40 ، ومعلوم أن الصحف السماوية إنما تقوم بأمر المجتمع الإنساني وتحفظ مصلحته بما فيها من الأحكام والقضايا المتعلقة بالاعتقاد والعمل.

فمعنى الآيتين: الحجة البينة التي أتتهم رسول من الله يقرأ صحائف سماوية مطهرة من دنس الباطل في تلك الصحائف أحكام وقضايا قائمة بأمر المجتمع الإنساني حافظة لمصالحه.

قوله تعالى:"و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة"كانت الآية الأولى"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب"إلخ تشير إلى كفرهم بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابه المتضمن للدعوة الحقة وهذه الآية تشير إلى اختلافهم السابق على الدعوة الإسلامية وقد أشير إلى ذلك في مواضع من القرآن الكريم كما قال تعالى:"و ما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم": آل عمران: 19 إلى غير ذلك من الآيات.

ومجيء البينة لهم هو البيان النبوي الذي تبين لهم في كتابهم أو أوضحه لهم أنبياؤهم قال تعالى:"و لما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم": الزخرف: 65.

فإن قلت: ما باله تعرض لاختلاف أهل الكتاب وتفرقهم في مذاهبهم ولم يتعرض لتفرق المشركين وإعراضهم عن دين التوحيد وإنكارهم الرسالة.

قلت: لا يبعد أن يكون قوله:"و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب"إلخ شاملا للمشركين كما هو شامل لأهل الكتاب فقد بدل أهل الكتاب - وهم في عرف القرآن اليهود والنصارى والصابئون والمجوس أو اليهود والنصارى - من الذين أوتوا الكتاب ، والتعبيران متغايران ، وقد صرح تعالى بأنه أنزل الكتاب - وهو الشريعة المفروضة عليهم الحاكمة في اختلافاتهم في أمور الحياة - أول ما بدا الاختلافات الحيوية بينهم ثم اختلفوا في الدين بعد تبين الحق لهم وقيام الحجة عليهم فعامة البشر آتاهم الله كتابا ثم اختلفوا فيه فمنهم من نسي ما أوتيه ، ومنهم من أخذ به محرفا ومنهم من حفظه وآمن به ، قال تعالى:"كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم": البقرة: 213 وقد مر تفسير الآية.

وفي هذا المعنى قوله تعالى:"تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض - إلى أن قال - ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر": البقرة: 253.

وبالجملة فالذين أوتوا الكتاب أعم من أهل الكتاب فقوله:"و ما تفرق الذين أوتوا الكتاب"إلخ يشمل المشركين كما يشمل أهل الكتاب.

قوله تعالى:"و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء"إلخ ضمير"أمروا"للذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين أي لم يتضمن رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والكتب القيمة التي في صحف الوحي إلا أمرهم بعبادة الله تعالى بقيد الإخلاص في الدين فلا يشركوا به شيئا.

وقوله:"حنفاء"حال من ضمير الجمع وهو جمع حنيف من الحنف وهو الميل عن جانبي الإفراط والتفريط إلى حاق وسط الاعتدال وقد سمى الله تعالى الإسلام دينا حنيفا لأنه يأمر في جميع الأمور بلزوم الاعتدال والتحرز عن الإفراط وتفريط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت