فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 4314

و للنبوة في هذا الإصلاح السهم الأوفى فإن من المسلم في علم الاجتماع: أن انتشار قول ما من الأقوال بين العامة وخاصة إذا كان مما يرتبط بالغريزة ، ويستحسنه القريحة ، ويطمئن إليه النفوس المتوقعة أقوى سبب لتوحيد الميول المتفرقة وجعل الجماعات المتشتتة يدا واحدا تقبض وتبسط بإرادة واحدة لا يقوم لها شيء.

ومن الضروري: أن النبوة منذ أقدم عهود ظهورها تدعو الناس إلى العدل ، وتمنعهم عن الظلم ، وتندبهم إلى عبادة الله والتسليم له ، وتنهاهم عن اتباع الفراعنة الطاغين ، والنماردة المستكبرين المتغلبين ، ولم تزل هذه الدعوة بين الأمم منذ قرون متراكمة جيلا بعد جيل ، وأمة بعد أمة وإن اختلفت بحسب السعة والضيق باختلاف الأمم والأزمنة ، ومن المحال أن يلبث مثل هذا العامل القوي بين الاجتماعات الإنسانية قرونا متمادية وهو منعزل عن الأثر خال عن الفعل.

وقد حكى القرآن الكريم في ذلك شيئا كثيرا من الوحي المنزل على الأنبياء (عليهم السلام) كما حكى عن نوح فيما يشكوه لربه:"رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم": نوح - 23 ، وكذا ما وقع بينه وبين عظماء قومه من الجدال على ما يحكيه القرآن ، قال تعالى:"قالوا أ نؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون": الشعراء - 113 ، وقول هود (عليه السلام) لقومه:"أ تبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين": الشعراء - 130 ، وقول صالح (عليه السلام) لقومه:"فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون": الشعراء - 152.

ولقد قام موسى (عليه السلام) للدفاع عن بني إسرائيل ومعارضة فرعون في سيرته الجائرة الظالمة ، وانتهض قبله إبراهيم (عليه السلام) لمعارضة نمرود ومن بعده عيسى بن مريم (عليهما السلام) وسائر أنبياء بني إسرائيل في معارضة مترفي أعصارهم من الملوك والعظماء ، وتقبيح سيرهم الظالمة ، ودعوة الناس إلى رفض طاعة المفسدين واتباع الطاغين.

وأما القرآن فاستنهاضه الناس على الامتناع عن طاعة الإفساد والإباء عن الضيم ، وإنباؤه عن عواقب الظلم والفساد والعدوان والطغيان مما لا يخفى قال تعالى:"أ لم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد": الفجر - 14 ، إلى غير ذلك من الآيات.

وأما أن الملك بالضم من ضروريات المجتمع الإنساني فيكفي في بيانه أتم بيان قوله تعالى بعد سرد قصة طالوت:"و لو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين": البقرة - 251 ، وقد مر بيان كيفية دلالة الآية بوجه عام.

وفي القرآن آيات كثيرة تتعرض للملك والولاية وافتراض الطاعة ونحو ذلك ، وأخرى تعده نعمة وموهبة كقوله تعالى:"و آتيناهم ملكا عظيما": النساء - 54 ، وقوله تعالى:"و جعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين": المائدة - 20 ، وقوله تعالى:"و الله يؤتي ملكه من يشاء": البقرة - 247 ، إلى غير ذلك من الآيات.

غير أن القرآن إنما يعده كرامة إذا اجتمع مع التقوى لحصره الكرامة على التقوى من بين جميع ما ربما يتخيل فيه شيء من الكرامة من مزايا الحيوة ، قال تعالى:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم": الحجرات - 13 ، والتقوى حسابه على الله ليس لأحد أن يستعلي به على أحد فلا فخر لأحد على أحد بشيء لأنه إن كان أمرا دنيويا فلا مزية لأمر دنيوي ، ولا قدر إلا للدين وإن كان أمرا أخرويا فأمره إلى الله سبحانه ، وعلى الجملة لا يبقى للإنسان المتلبس بهذه النعمة أعني الملك في نظر رجل مسلم إلا تحمل الجهد ومشقة التقلد والأعباء نعم له عند ربه عظيم الأجر ومزيد الثواب إن لازم صراط العدل والتقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت