فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 4314

و أما الملك بالضم وهو السلطنة على الأفراد فهو أيضا من الاعتبارات الضرورية التي لا غنى للإنسان عنها لكن الذي يحتاج إليه ابتداء هو الاجتماع من حيث تألفه من أجزاء كثيرة مختلفة المقاصد متباينة الإرادات دون الفرد من حيث إنه فرد فإن الأفراد المجتمعين لتباين إراداتهم واختلاف مقاصدهم لا يلبثون دون أن يقع الاختلاف بينهم فيتغلب كل على الآخرين في أخذ ما بأيديهم ، والتعدي على حومة حدودهم وهضم حقوقهم فيقع الهرج والمرج ، ويصير الاجتماع الذي اتخذوه وسيلة إلى سعادة الحيوة ذريعة إلى الشقاء والهلاك ، ويعود الدواء داء ، ولا سبيل إلى رفع هذه الغائلة الطارية إلا بجعل قوة قاهرة على سائر القوى مسيطرة على جميع الأفراد المجتمعين حتى تعيد القوى الطاغية المستعلية إلى حاق الوسط ، وترفع الدانية المستهلكة إليه أيضا فتتحد جميع القوى من حيث المستوى ثم تضع كل واحدة منها في محلها الخاص وتعطي كل ذي حق حقه.

ولما لم تكن الإنسانية في حين من الأحيان خالية الذهن عن فكر الاستخدام كما مر بيانه سالفا لم يكن الاجتماعات في الأعصار السالفة خالية عن رجال متغلبين على الملك مستعلين على سائر الأفراد المجتمعين ببسط الرقية والتملك على النفوس والأموال ، وكانت بعض فوائد الملك الذي ذكرناه - وهو وجود من يمنع عن طغيان بعض الأفراد على بعض - يترتب على وجود هذا الصنف من المتغلبين المستعلين المتظاهرين باسم الملك في الجملة وإن كانوا هم أنفسهم وأعضادهم وجلاوزتهم قوى طاغية من غير حق مرضي ، وذلك لكونهم مضطرين إلى حفظ الأفراد في حال الذلة والاضطهاد حتى لا يتقوى من يثب على حقوق بعض الأفراد فيثب يوما عليهم أنفسهم كما أنهم أنفسهم وثبوا على ما في أيدي غيرهم.

وبالجملة بقاء جل الأفراد على حال التسالم خوفا من الملوك المسيطرين عليهم كان يصرف الناس عن الفكر في اعتبار الملك الاجتماعي وإنما يشتغلون بحمد سيرة هؤلاء المتغلبين إذا لم يبلغ تعديهم مبلغ جهدهم ويتظلمون ويشتكون إذا بلغ بهم الجهد ، وحمل عليهم من التعدي ما يفوق طاقتهم.

نعم ربما فقدوا بعض هؤلاء المتسمين بالملوك والرؤساء بهلاك أو قتل أو نحو ذلك ، وأحسوا بالفتنة والفساد ، وهددهم اختلال النظم ووقوع الهرج فبادروا إلى تقديم بعض أولي الطول والقوة منهم ، وألقوا إليه زمام الملك فصار ملكا يملك أزمة الأمور ثم يعود الأمر على ما كان عليه من التعدي والتحميل.

ولم تزل الاجتماعات على هذه الحال برهة بعد برهة حتى تضجرت من سوء سير هؤلاء المتسمين بالملوك في مظالمهم باستبدادهم في الرأي وإطلاقهم فيما يشاءون فوضعت قوانين تعين وظائف الحكومة الجارية بين الأمم وأجبرت الملوك باتباعها وصار الملك ملكا مشروطا بعد ما كان مطلقا ، واتحد الناس على التحفظ على ذلك ، وكان الملك موروثا.

ثم أحست اجتماعات ببغي ملوكهم وسوء سيرهم ولا سبيل إليهم بعد ركوب أريكة الملك ، وتثبيتهم كون الملك موهبة غير متغيرة موروثة فبدلوا الملك برئاسة الجمهور فانقلب الملك المؤبد المشروط إلى ملك مؤجل مشروط ، وربما وجد في الأقوام والأمم المختلفة أنواع من الملك دعاهم إلى وضعه الفرار عن المظالم التي شاهدوها ممن بيده زمام أمرهم ، وربما حدث في مستقبل الأيام ما لم ينتقل أفهامنا إليه إلى هذا الآن.

لكن الذي يتحصل من جميع هذه المساعي التي بذلتها الاجتماعات في سبيل إصلاح هذا الأمر أعني إلقاء زمام الأمة إلى من يدبر أمرها ، ويجمع شتات إراداتها المتضادة وقواها المتنافية: أن لا غنى للمجتمع الإنساني عن هذا المقام وهو مقام الملك وإن تغيرت أسماؤه ، وتبدلت شرائطه بحسب اختلاف الأمم ، ومرور الأيام فإن طروق الهرج والمرج ، واختلال أمر الحياة الاجتماعية على جميع التقادير من لوازم عدم اجتماع أزمة الإرادات والمقاصد في إرادة واحدة لإنسان واحد أو مقام واحد.

وهذا هو الذي تقدم في أول الكلام أن الملك من الاعتبارات الضرورية في الاجتماع الإنساني.

وهو مثل سائر الموضوعات الاعتبارية التي لم يزل الاجتماع بصدد تكميلها وإصلاحها ورفع نواقصها وآثارها المضادة لسعادة الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت