فلو قيل بنزوله مرتين كان من الواجب أن يفرق بين المرتين بالإجمال والتفصيل فيكون نازلا مرة إجمالا ومرة تفصيلا ونعني بهذا الإجمال والتفصيل ما يشير إليه قوله تعالى:"كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير": هود: 1 ، وقوله:"إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم": الزخرف: 4 ، وقد مر الكلام في معنى الإحكام والتفصيل في تفسير سورتي هود والزخرف.
وقيل: المراد بنزول الكتاب في ليلة مباركة افتتاح نزوله التدريجي في ليلة القدر من شهر رمضان فأول ما نزل من آيات القرآن - وهو سورة العلق أو سورة الحمد - نزل في ليلة القدر.
وهذا القول مبني على استشعار منافاة نزول الكتاب كله في ليلة ونزوله التدريجي الذي تدل عليه الآيات السابقة وقد عرفت أن لا منافاة بين الآيات.
على أنك خبير بأنه خلاف ظاهر الآيات.
وقيل: إنه نزل أولا جملة على السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل من السماء الدنيا على الأرض تدريجا في ثلاث وعشرين سنة مدة الدعوة النبوية.
وهذا القول مأخوذ من الأخبار الواردة في تفسير الآيات الظاهرة في نزوله جملة وستمر بك في البحث الروائي التالي إن شاء الله.
وقوله:"إنا كنا منذرين"واقع موقع التعليل ، وهو يدل على استمرار الإنذار منه تعالى قبل هذا الإنذار ، فيدل على أن نزول القرآن من عنده تعالى ليس ببدع ، فإنما هو إنذار والإنذار سنة جارية له تعالى لم تزل تجري في السابقين من طريق الوحي إلى الأنبياء والرسل وبعثهم لإنذار الناس.
قوله تعالى:"فيها يفرق كل أمر حكيم"ضمير"فيها"لليلة والفرق فصل الشيء من الشيء بحيث يتمايزان ويقابله الإحكام فالأمر الحكيم ما لا يتميز بعض أجزائه من بعض ولا يتعين خصوصياته وأحواله كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21.
فللأمور بحسب القضاء الإلهي مرحلتان: مرحلة الإجمال والإبهام ومرحلة التفصيل ، وليلة القدر - على ما يدل عليه قوله:"فيها يفرق كل أمر حكيم - ليلة يخرج فيها الأمور من مرحلة الإحكام إلى مرحلة الفرق والتفصيل ، وقد نزل فيها القرآن وهو أمر من الأمور المحكمة فرق في ليلة القدر."
ولعل الله سبحانه أطلع نبيه على جزئيات الحوادث التي ستقع في زمان دعوته وما يقارن منها نزول كل آية أو آيات أو سورة من كتابه فيستدعي نزولها وأطلعه على ما ينزل منها فيكون القرآن نازلا عليه دفعة وجملة قبل نزوله تدريجا ومفرقا.
ومآل هذا الوجه اطلاع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على القرآن في مرحلة نزوله إلى القضاء التفصيلي قبل نزوله على الأرض واستقراره في مرحلة العين ، وعلى هذا الوجه لا حاجة إلى تفريق المرتين بالإجمال والتفصيل كما تقدم في الوجه الأول.
وظاهر كلام بعضهم أن المراد بقوله:"فيها يفرق كل أمر حكيم"تفصيل الأمور المبينة في القرآن من معارف وأحكام وغير ذلك.
ويدفعه أن ظاهر قوله:"فيها يفرق"الاستمرار والذي يستمر في هذه الليلة بتكررها تفصيل الأمور الكونية بعد إحكامها وأما المعارف والأحكام الإلهية فلا استمرار في تفصيلها فلو كان المراد فرقها كان الأنسب أن يقال:"فيها فرق".
وقيل: المراد بكون الأمر حكيما إحكامه بعد الفرق لا الإحكام الذي قبل التفصيل ، والمعنى: يقضى في الليلة كل أمر محكم لا يتغير بزيادة أو نقصان أو غير ذلك هذا ، والأظهر ما قدمناه من المعنى.
قوله تعالى:"أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين"المراد بالأمر الشأن وهو حال من الأمر السابق والمعنى فيها يفرق كل أمر حال كونه أمرا من عندنا ومبتدأ من لدنا ، ويمكن أن يكون المراد به ما يقابل النهي والمعنى: يفرق فيها كل أمر بأمر منا ، وهو على أي حال متعلق بقوله:"يفرق".
ويمكن أن يكون متعلقا بقوله:"أنزلناه"أي حال كون الكتاب أمرا أو بأمر من عندنا ، وقوله:"إنا كنا مرسلين"لا يخلو من تأييد لذلك ، ويكون تعليلا له والمعنى: إنا أنزلناه أمرا من عندنا لأن سنتنا الجارية إرسال الأنبياء والرسل.
قوله تعالى:"رحمة من ربك إنه هو السميع العليم"أي إنزاله رحمة من ربك أو أنزلناه لأجل إفاضة الرحمة على الناس أو لاقتضاء رحمة ربك إنزاله فقوله:"رحمة"حال على المعنى الأول ومفعول له على الثاني والثالث.