فهرس الكتاب

الصفحة 4237 من 4314

و الآية بسياقها لا تخلو من تأييد لما قيل: إنه كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا نزل عليه جبريل بالوحي يقرؤه مخافة أن ينساه فكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله فلما نزلت هذه الآية لم ينس بعده شيئا.

ويقرب من الاعتبار أن تكون هذه الآية أعني قوله:"سنقرئك فلا تنسى"نازلة أولا ثم قوله:"لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه": القيامة: 19 ثم قوله:"و لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما": طه: 114.

وقوله:"إنه يعلم الجهر وما يخفى"الجهر كمال ظهور الشيء لحاسة البصر كقوله.

"فقالوا أرنا الله جهرة": النساء: 153 ، أو لحاسة السمع كقوله:"إنه يعلم الجهر من القول": الأنبياء: 110 ، والمراد بالجهر الظاهر للإدراك بقرينة مقابلته لقوله:"و ما يخفى"من غير تقييده بسمع أو بصر.

والجملة في مقام التعليل لقوله.

"سنقرئك فلا تنسى"والمعنى سنصلح لك بالك في تلقي الوحي وحفظه لأنا نعلم ظاهر الأشياء وباطنها فنعلم ظاهر حالك وباطنها وما أنت عليه من الاهتمام بأمر الوحي والحرص على طاعته فيما أمر به.

وفي قوله:"إلا ما شاء الله إنه يعلم"إلخ التفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة والنكتة فيه الإشارة إلى حجة الاستثناء فإفاضة العلم والحفظ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إنما لا يسلب القدرة على خلافه ولا يحدها منه تعالى لأنه الله المستجمع لجميع صفات الكمال ومنها القدرة المطلقة ثم جرى الالتفات في قوله:"إنه يعلم"إلخ لمثل النكتة.

قوله تعالى:"و نيسرك لليسرى"اليسرى - مؤنث أيسر - وهو وصف قائم مقام موصوفة المحذوف أي الطريقة اليسرى والتيسير التسهيل أي ونجعلك بحيث تتخذ دائما أسهل الطرق للدعوة والتبليغ قولا وفعلا فتهدي قوما وتتم الحجة على آخرين وتصبر على أذاهم.

وكان مقتضى الظاهر أن يقال: ونيسر لك اليسرى كما قال:"و يسر لي أمري": طه: 26 وإنما عدل عن ذلك إلى قوله:"و نيسرك لليسرى"لأن الكلام في تجهيزه تعالى نفس النبي الشريفة وجعله إياها صالحة لتأدية الرسالة ونشر الدعوة.

على ما في نيسر اليسرى من إيهام تحصيل الحاصل.

فالمراد جعله (صلى الله عليه وآله وسلم) صافي الفطرة حقيقا على اختيار الطريقة اليسرى التي هي طريقة الفطرة فالآية في معنى قوله حكاية عن موسى:"حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق": الأعراف: 105.

قوله تعالى:"فذكر إن نفعت الذكرى"تفريع على ما تقدم من أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بتنزيه اسم ربه ووعده إقراء الوحي بحيث لا ينسى وتيسيره لليسرى وهي الشرائط الضرورية التي يتوقف عليها نجاح الدعوة الدينية.

والمعنى إذ تم لك الأمر بامتثال ما أمرناك به وإقرائك فلا تنسى وتيسيرك لليسرى فذكر إن نفعت الذكرى.

وقد اشترط في الأمر بالتذكرة أن تكون نافعة وهو شرط على حقيقته فإنها إذا لم تنفع كانت لغوا وهو تعالى يجل عن أن يأمر باللغو فالتذكرة لمن يخشى لأول مرة تفيد ميلا من نفسه إلى الحق وهو نفعها وكذا التذكرة بعد التذكرة كما قال:"سيذكر من يخشى"والتذكرة للأشقى الذي لا خشية في قلبه لأول مرة تفيد تمام الحجة عليه وهو نفعها ويلازمها تجنبه وتوليه عن الحق كما قال:"و يتجنبها الأشقى"والتذكرة بعد التذكرة له لا تنفع شيئا ولذا أمر بالإعراض عن ذلك قال تعالى:"فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا": النجم: 29.

وقيل: الشرط شرط صوري غير حقيقي وإنما هو إخبار عن أن الذكرى نافعة لا محالة في زيادة الطاعة والانتهاء عن المعصية كما يقال: سله إن نفع السؤال ولذا قال بعضهم"إن""إن"في الآية بمعنى قد ، وقال آخرون: إنها بمعنى إذ.

وفيه أن كون الذكرى نافعة مفيدة دائما حتى فيمن يعاند الحق - وقد تمت عليه الحجة - ممنوع كيف؟ وقد قيل فيهم:"سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة": البقرة: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت