نعم إذا نسبت إلى الله سبحانه فهي نعمة منه وفضل ورحمة لأنه خير يفيض الخير ولا يريد في موهبته شرا ولا سوء ، وهو رءوف رحيم غفور ودود ، قال تعالى:"و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها": إبراهيم: 34 والخطاب في الآية لعامة الناس ، وقال تعالى:"و ذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا": المزمل: 11 ، وقال تعالى:"ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم": الزمر: 49 فهذه وأمثالها نعمة إذا نسبت إليه تعالى لكنها نقمة إذا نسبت إلى الكافر بها قال تعالى"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد": إبراهيم: 7.
وبالجملة إذا كان الإنسان في ولاية الله كان جميع الأسباب التي يتسبب بها في استبقاء الحياة والتوصل إلى السعادة نعما إلهية بالنسبة إليه ، وإن كان في ولاية الشيطان تبدلت الجميع نقما وهي جميعا من الله سبحانه نعم وإن كانت مكفورا بها.
ثم إن وسائل الحياة إن كانت ناقصة لا تفي بجميع جهات السعادة في الحياة كانت نعمة كمن أوتي مالا وسلب الأمن والسلام فلا يتمكن من أن يتمتع به كما يريده ومتى وأينما يريده ، وإذا كان له من ذلك ما يمكنه التوصل به إلى سعادة الحياة من غير نقص فيه فذلك تمام النعمة.
فقوله:"و يتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب"يريد أن الله أنعم عليكم بما تسعدون به في حياتكم لكنه يتم ذلك في حقك وفي حق آل يعقوب وهم يعقوب وزوجه وسائر بنيه كما كان رآه في رؤياه.
وقد جعل يوسف (عليه السلام) أصلا وآل يعقوب معطوفا عليه إذ قال:"عليك وعلى آل يعقوب"كما يدل عليه الرؤيا إذ رأى يوسف نفسه مسجودا له ورأى آل يعقوب في هيئة الشمس معها القمر وأحد عشر كوكبا سجدا له.
وقد ذكر الله تعالى مما أتم به النعمة على يوسف (عليه السلام) أنه آتاه الحكم والنبوة والملك والعزة في مصر مضافا إلى أن جعله من المخلصين وعلمه من تأويل الأحاديث ، ومما أتم به النعمة على آل يعقوب أنه أقر عين يعقوب بابنه يوسف (عليهما السلام) ، وجاء به وبأهله جميعا من البدو ورزقهم الحضارة بنزول مصر.
وقوله:"كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق"أي نظير ما أتم النعمة من قبل على إبراهيم وإسحاق وهما أبواك فإنه آتاهما خير الدنيا والآخرة فقوله:"من قبل"متعلق بقوله:"أتمها"وربما احتمل كونه ظرفا مستقرا وصفا لقوله"أبويك"والتقدير كما أتمها على أبويك الكائنين من قبل.
و"إبراهيم وإسحاق"بدل أو عطف بيان لقوله"أبويك"وفائدة هذا السياق الإشعار بكون النعمة مستمرة موروثة في بيت إبراهيم من طريق إسحاق حيث أتمها الله على إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف (عليه السلام) وسائر آل يعقوب.
ومعنى الآية: وكما رأيت في رؤياك يخلصك ربك لنفسه بإنقائك من الشرك فلا يكون فيك نصيب لغيره ، ويعلمك من تأويل الأحاديث وهو ما يئول إليه الحوادث المصورة في نوم أو يقظة ويتم نعمته هذه وهي الولاية الإلهية بالنزول في مصر واجتماع الأهل والملك والعزة عليك وعلى أبويك وإخوتك وإنما يفعل ربك بك ذلك لأنه عليم بعباده خبير بحالهم حكيم يجري عليهم ما يستحقونه فهو عليم بحالك وما يستحقونه من غضبه.
والتدبر في الآية الكريمة يعطي: أولا: أن يعقوب أيضا كان من المخلصين وقد علمه الله من تأويل الأحاديث فإنه (عليه السلام) أخبر كما في هذه الآية بتأويل رؤيا يوسف وما كان ليخبر عن خرص وتخمين دون أن يعلمه الله ذلك.
على أن الله بعد ما حكى عنه لبنيه"يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة"إلخ قال في حقه:"و إنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون".