فهرس الكتاب

الصفحة 2242 من 4314

و قد اشتبه عليه معنى الحديث وظن أن المراد بقولهم: إن الرؤيا من حديث الملك أو الشيطان ، الحديث على نحو التكليم باللفظ ، وليس كذلك بل المراد أن المنام يصور له القصة أو حادثا من الحوادث بصورة مناسبة كما أن تصوره المتكلم اللافظ يصور ذلك بصورة لفظية يستدل بها السامع على الأصل المراد وهذا كما يقال لمن يقصد أمرا ويعزم على فعل أو ترك أنه حدثه نفسه أن يفعل كذا أو يترك كذا أي أنه يصوره فأراد فعله أو تركه كأن نفسه حدثته بأنه يجب عليك كذا أو لا يجوز لك كذا ، وبالجملة معنى كون الرؤيا من الأحاديث أنها من قبيل تصور الأمور للنائم كما يتصور الأنباء والقصص بالتحديث اللفظي فهي حديث إما ملكي أو شيطاني أو نفسي كما تقدم لكن الحق أنها من أحاديث النفس بالمباشرة ، وسيجيء استيفاء البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.

هذا.

لكن الظاهر المتحصل من قصته (عليه السلام) المسرودة في هذه السورة أن الأحاديث التي علمه الله تعالى تأويلها أعم من أحاديث الرؤيا ، وإنما هي الأحاديث أعني الحوادث والوقائع التي تتصور للإنسان أعم من أن تتصور له في يقظة أو منام فإن بين الحوادث والأصول التي تنشأ هي منها والغايات التي تنتهي إليها اتصالا لا يسع إنكاره ، وبذلك يرتبط بعضها ببعض فمن الممكن أن يهتدي عبد بإذن الله تعالى إلى هذه الروابط فينكشف له تأويل الأحاديث والحقائق التي تنتهي هي إليها.

ويؤيده فيما يرجع إلى المنام ما حكاه الله تعالى من بيان يعقوب تأويل رؤيا يوسف (عليه السلام) ، وتأويل يوسف لرؤيا نفسه ورؤيا صاحبيه في السجن ورؤيا عزيز مصر وفيما يرجع إلى اليقظة ما حكاه عن يوسف في السجن بقوله:"قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي": الآية 37 من السورة ، وكذا قوله:"فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون": الآية 15 من السورة وسيوافيك توضيحه إن شاء الله تعالى.

وقوله:"و يتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب"قال الراغب في المفردات ،: النعمة بالكسر فالسكون الحالة الحسنة ، وبناء النعمة بناء الحالة التي يكون عليها الإنسان كالجلسة والركبة ، والنعمة بالفتح فالسكون التنعم وبناؤها بناء المرة من الفعل كالضربة والشتمة ، والنعمة للجنس تقال للقليل والكثير.

قال: والإنعام إيصال الإحسان إلى الغير ، ولا يقال إلا إذا كان الموصل إليه من جنس الناطقين فإنه لا يقال: أنعم فلان على فرسه ، قال تعالى:"أنعمت عليهم""و إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه"والنعماء بإزاء الضراء.

قال: والنعيم النعمة الكثيرة قال تعالى:"في جنات النعيم"وقال تعالى:"جنات النعيم"، وتنعم تناول ما فيه النعمة وطيب العيش ، يقال: نعمه تنعيما فتنعم أي لين عيش وخصب قال تعالى:"فأكرمه ونعمه"وطعام ناعم وجارية ناعمة انتهى.

ففي الكلمة - كما ترى شيء - من معنى اللين والطيب والملاءمة فكأنها مأخوذة من النعومة وهي الأصل في معناها ، وقد اختص استعمالها بالإنسان لأن له عقلا يدرك به النافع من الضار فيستطيب النافع ويستلئمه ويتنعم به بخلاف غيره الذي لا يميز ما ينفعه مما يضره ، كما أن المال والأولاد وغيرهما مما يعد نعمة يكون نعمة لواحد ونقمة لآخر ونعمة للإنسان في حال ونقمة في أخرى.

ولذا كان القرآن الكريم لا يعد هذه العطايا الإلهية كالمال والجاه والأزواج والأولاد وغير ذلك نعمة بالنسبة إلى الإنسان إلا إذا وقعت في طريق السعادة ومنصبغة بصبغة الولاية الإلهية تقرب الإنسان إلى الله زلفى ، وأما إذا وقعت في طريق الشقاء وتحت ولاية الشيطان فإنما هي نقمة وليست بنعمة ، والآيات في ذلك كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت