و لذلك خاطب يوسف (عليه السلام) خطاب الإشفاق كما يدل عليه قوله:"يا بني"بلفظ التصغير ، ونهاه عن اقتصاص رؤياه على إخوته قبل أن يعبرها له وينبئه بما تدل عليه رؤياه من الكرامة الإلهية المقضية في حقه ، ولم يقدم النهي على البشارة إلا لفرط حبه له وشدة اهتمامه به واعتنائه بشأنه ، وما كان يتفرس من إخوته أنهم يحسدونه وأنهم امتلئوا منه بغضا وحنقا.
والدليل على بلوغ حسدهم وظهور حنقهم وبغضهم قوله:"لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا"فلم يقل: إني أخاف أن يكيدوا ، أو لا آمنهم عليك بتفريع الخوف من كيدهم أو عدم الأمن من جهتهم بل فرع على اقتصاص الرؤيا نفس كيدهم وأكد تحقق الكيد منهم بالمصدر - المفعول المطلق - إذ قال:"فيكيدوا لك كيدا"ثم أكد ذلك بقوله ثانيا في مقام التعليل:"إن الشيطان للإنسان عدو مبين"أي إن لكيدهم سببا آخر منفصلا يؤيد ما عندهم من السبب الذي هو الحسد ويثيره ويهيجه ليؤثر أثره السيىء وهو الشيطان الذي هو عدو للإنسان مبين لا خلة بينه وبينه أبدا يحمل الإنسان بوسوسته وتسويله على أن يخرج من صراط الاستقامة والسعادة إلى سبيل عوج فيه شقاء دنياه وآخرته فيفسد ما بين الوالد وولده وينزع بين الشقيق وشقيقه ويفرق بين الصديق وصديقه ليضلهم عن الصراط.
فكأن المعنى: قال يعقوب ليوسف (عليهما السلام) : يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فإنهم يحسدونك ويغتاظون من أمرك فيكيدونك عندئذ بنزغ وإغراء من الشيطان وقد تمكن من قلوبهم ولا يدعهم يعرضوا عن كيدك فإن الشيطان للإنسان عدو مبين.
قوله تعالى:"و كذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب"إلى آخر الآية الاجتباء من الجباية وهي الجمع يقال: جبيت الماء في الحوض إذا جمعته فيه ، ومنه جباية الخراج أي جمعه قال تعالى:"يجبى إليه ثمرات كل شيء": القصص: 57 ففي معنى الاجتباء جمع أجزاء الشيء وحفظها من التفرق والتشتت ، وفيه سلوك وحركة من الجابي نحو المجبي فاجتباه الله سبحانه عبدا من عباده هو أن يقصده برحمته ويخصه بمزيد كرامته فيجمع شمله ويحفظه من التفرق في السبل المتفرقة الشيطانية المفرقة للإنسان ويركبه صراطه المستقيم وهو أن يتولى أمره ويخصه بنفسه فلا يكون لغيره فيه نصيب كما أخبر تعالى بذلك في يوسف (عليه السلام) إذ قال:"إنه من عبادنا المخلصين": الآية 24 من السورة.
وقوله:"و يعلمك من تأويل الأحاديث"التأويل هو ما ينتهي إليه الرؤيا من الأمر الذي تتعقبه ، وهو الحقيقة التي تتمثل لصاحب الرؤيا في رؤياه بصورة من الصور المناسبة لمداركه ومشاعره كما تمثل سجدة أبوي يوسف وإخوته الأحد عشر في صورة أحد عشر كوكبا والشمس والقمر وخرورها أمامه ساجدة له ، وقد تقدم استيفاء البحث عن معنى التأويل في تفسير قوله تعالى.
"فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"الآية: آل عمران: 7 في الجزء الثالث من الكتاب.
والأحاديث جمع الحديث وربما أريد به الرؤى لأنها من حديث النفس فإن نفس الإنسان تصور له الأمور في المنام كما يصور المحدث لسماعه الأمور في اليقظة فالرؤيا حديث مثله ومنه يظهر ما في قول بعضهم: إن الرؤى سميت أحاديث باعتبار حكايتها والتحديث بها وهو كما ترى.
وكذا ما قيل: إنها سميت أحاديث لأنها من حديث الملك إن كانت صادقة ومن حديث الشيطان إن كانت كاذبة.
انتهى ، وفيه أنها ربما لم تستند إلى ملك ولا إلى شيطان كالرؤيا المستندة إلى حالة مزاجية عارضة لنائم تأخذه حمى أو سخونة اتفاقية فتحكيها نفسه في صورة حمام يستحم فيه أو حر قيظ ونحوهما أو يتسلط عليه برد فتحكيه نفسه بتصوير الشتاء ونزول الثلج ونحوهما.
ورده بعضهم بأنه يخالف الواقع فإن رؤيا يوسف ليس فيها حديث وكذا رؤيا صاحبيه في السجن ورؤيا ملك مصر انتهى.