فهرس الكتاب

الصفحة 486 من 4314

قوله تعالى: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ، في الكلام التفات عن خطاب المؤمنين إلى خطاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وكان ما كان يشاهده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من فعال المؤمنين في صدقاتهم من اختلاف السجايا بالإخلاص من بعضهم والمن والأذى والتثاقل في إنفاق طيب المال من بعض مع كونهم مؤمنين أوجد في نفسه الشريفة وجدا وحزنا فسلاه الله تعالى بالتنبيه على أن أمر هذا الإيمان الموجود فيهم والهدى الذي لهم إنما هو إلى الله تعالى يهدي من يشاء إلى الإيمان وإلى درجاته ، وليس يستند إلى النبي لا وجوده ولا بقاؤه حتى يكون عليه حفظه ، ويشنق من زواله أو ضعفه ، أو يسوؤه ما آل إليه الكلام في هذه الآيات من التهديد والإيعاد والخشونة.

والشاهد على ما ذكرناه قوله تعالى: ، هداهم ، بالتعبير بالمصدر المضاف الظاهر في تحقق التلبس.

على أن هذا المعنى أعني نفي استناد الهداية إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإسناده إلى الله سبحانه حيث وقع في القرآن وقع في مقام تسلية النبي وتطييب قلبه.

فالجملة أعني قوله: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء جملة معترضة اعترضت في الكلام لتطييب قلب النبي بقطع خطاب المؤمنين والإقبال عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، نظير الاعتراض الواقع في قوله تعالى:"لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه الآيات:"القيامة - 17.

فلما تم الاعتراض عاد إلى الأصل في الكلام من خطاب المؤمنين.

قوله تعالى: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله"إلى آخر"الآية رجوع إلى خطاب المؤمنين بسياق خال عن التبشير والإنذار والتحنن والتغيظ معا ، فإن ذلك مقتضى معنى قوله تعالى: ولكن الله يهدي من يشاء كما لا يخفى.

فقصر الكلام على الدعوة الخالية بالدلالة على أن ساحة المتكلم الداعي منزهة عن الانتفاع بما يتعقب هذه الدعوة من المنافع ، وإنما يعود نفعه إلى المدعوين ، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم لكن لا مطلقا بل في حال لا تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ، فقوله: وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله حال ، من ضمير الخطاب وعامله متعلق الظرف أعني قوله: فلأنفسكم.

ولما أمكن أن يتوهم أن هذا النفع العائد إلى أنفسهم ببذل المال مجرد اسم لا مسمى له في الخارج ، وليس حقيقته إلا تبديل الحقيقة من الوهم عقب الكلام بقوله: وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ، فبين أن نفع هذا الإنفاق المندوب وهو ما يترتب عليه من مثوبة الدنيا والآخرة ليس أمرا وهميا ، بل هو أمر حقيقي واقعي سيوفيه الله تعالى إليكم من غير أن يظلكم بفقد أو نقص.

وإبهام الفاعل في قوله: يوف إليكم ، لما تقدم أن السياق سياق الدعوة فطوي ، ذكر الفاعل ليكون الكلام أبلغ في النصح وانتفاء غرض الانتفاع من الفاعل كأنه كلام لا متكلم له ، فلو كان هناك نفع فلسامعه لا غير.

قوله تعالى: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله إلى آخر الآية ، الحصر هو المنع والحبس ، والأصل في معناه التضييق ، قال الراغب في المفردات ،: والحصر والإحصار المنع من طريق البيت ، فالإحصار يقال: في المنع الظاهر كالعدو ، والمنع الباطن كالمرض ، والحصر لا يقال ، إلا في المنع الباطن ، فقوله تعالى: فإن أحصرتم فمحمول على الأمرين وكذلك قوله: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ، وقوله عز وجل: أو جاءوكم حصرت صدورهم ، أي ضاقت بالبخل والجبن ، انتهى.

والتعفف التلبس بالعفة ، والسيماء العلامة ، والإلحاف هو الإلحاح في السؤال.

وفي الآية بيان مصرف الصدقات ، وهو أفضل المصرف ، وهم الفقراء الذين منعوا في سبيل الله وحبسوا فيه بتأدية عوامل وأسباب إلى ذلك: إما عدو أخذ ما لهم من الستر واللباس أو منعهم التعيش بالخروج إلى الاكتساب أو مرض أو اشتغال بما لا يسعهم معه الاشتغال بالكسب كطالب العلم وغير ذلك.

وفي قوله تعالى يحسبهم الجاهل أي الجاهل بحالهم أغنياء من التعفف دلالة على أنهم غير متظاهرين بالفقر إلا ما لا سبيل لهم إلى ستره من علائم الفقر والمسكنة من بشرة أو لباس خلق أو نحوهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت