فهرس الكتاب

الصفحة 1351 من 4314

و لأن دعوة الإسلام إنما هي إلى دين الفطرة ، وهو مخزون مكنوز في فطرة الناس وإنما حجبهم عنه ما ابتلوا به من الشرك والمعصية مما يوجب عليهم غلبة الشقوة ونزول السخط الإلهي فالأقرب إلى الحكمة والحزم في دعوتهم أن تبدأ بالإنذار ، ولهذا كله ربما حصر شأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الإنذار كما في قوله:"إن أنت إلا نذير": الفاطر - 23 وقوله:"و إنما أنا نذير مبين": العنكبوت: 50.

هذا في عامة الناس وأما الخاصة من عباد الله ، وهم الذين يعبدونه حبا له لا خوفا من نار ولا طمعا في جنة فإنهم يتلقون من الدعوة بالخوف والرجاء أمرا آخر فإنهم يتلقون من النار أنها دار بعد وسخط فيخافونها لذلك ، ومن الجنة أنها ساحة قرب ورضوان فيشتاقون إليها لذلك.

وظاهر قوله:"لأنذركم به ومن بلغ"أنه خطاب لمشركي مكة أو لقريش أو للعرب عامة إلا أن التقابل بين ضمير الخطاب وبين من بلغ - والمراد بمن بلغ هو من لم يشافهه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة في زمن حياته أو بعده - يدل على أن المراد بالمخاطبين في قوله:"لأنذركم به"هم الذين شافههم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة ممن تقدم دعاؤه على نزول الآية أو قارنه أو تأخر عنه.

فقوله:"و أوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ"يدل على عموم رسالته (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرآن لكل من سمعه منه أو سمعه من غيره إلى يوم القيامة ، وإن شئت فقل: تدل الآية على كون القرآن الكريم حجة من الله وكتابا له ينطق بالحق على أهل الدنيا من لدن نزوله إلى يوم القيامة.

وقد قيل:"لأنذركم به"ولم يقل: لأنذركم بقراءته فالقرآن حجة على من سمع لفظه وعرف معناه واهتدى إلى مقاصده ، أو فسر له لفظه وقرع سمعه بمضامينه فليس من شرط كتاب مكتوب إلى قوم أن يكون بلسانهم بل أن تقوم عليهم حجته وتشملهم مضامينه ، وقد دعا (صلى الله عليه وآله وسلم) بكتابه إلى مصر والحبشة والروم وإيران ولسانهم غير لسان القرآن ، وقد كان فيمن آمن به في حياته وقبل إيمانهم سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي وعدة من اليهود ولسانهم عبري هذا كله مما لا ريب فيه.

قوله تعالى:"أ إنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد"إلى آخر الآية ، لما ذكر شهادة الله وهو أكبر شهادة على رسالته ولم يرسل إلا ليدعوهم إلى دين التوحيد ، وليس لأحد بعد شهادة الله سبحانه على أن لا شريك له في ألوهيته أن يشهد أن مع الله آلهة أمر نبيه أن يسألهم سؤال متعجب منكر: هل يشهدون بتعدد الآلهة ، وهذا هو الذي يدل عليه تأكيد المسئول عنه بأن واللام ، كأن النفس لا تقبل أن يشهدوا به بعد أن سمعوا شهادة الله تعالى.

ثم أمره أن يخالفهم في الشهادة فينفي عن نفسه الشهادة بما شهدوا به فقال:"قل لا أشهد"أي بما شهدتم به بقرينة المقام ، ثم قال:"قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون"وهو شهادة على وحدانيته تعالى ، والبراءة مما يدعون له من شركاء.

قوله تعالى:"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"وهذا إخبار عما شهد به الله سبحانه في الكتب المنزلة على أهل الكتاب ، وعلمه علماء أهل الكتاب مما عندهم من كتب الأنبياء من البشارة بعد البشارة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووصفه بما لا يعتريه شك ولا يطرأ عليه ريب.

فهم بما استحضروا من نعته (صلى الله عليه وآله وسلم) يعرفونه بعينه كما يعرفون أبناءهم ، قال تعالى:"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل": الأعراف: 157 وقال تعالى:"محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل:"الفتح: 29 ، وقال تعالى:"أ ولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل": الشعراء: 197.

ولما كان بعض علمائهم يكتمون ما عندهم من بشاراته ونعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) ويستنكفون عن الإيمان به بين الله تعالى خسرانهم في أمرهم فقال:"الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت