فهرس الكتاب

الصفحة 1075 من 4314

أقول: وهي من روايات الفتن ، وهي كثيرة روى أكثرها السيوطي في الدر المنثور ، كالذي رواه عن البيهقي عن أبي موسى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: اكسروا سيفكم يعني في الفتنة واقطعوا أوتاركم والزموا أجواف البيوت ، وكونوا فيها كالخير من ابني آدم ، وما رواه عن ابن جرير وعبد الرزاق عن الحسن قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن ابني آدم ضربا مثلا لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما ، إلى غير ذلك.

وهذه روايات لا تلائم بظاهرها الاعتبار الصحيح المؤيد بالآثار الصحيحة الآمرة بالدفاع عن النفس والانتصار للحق ، وقد قال تعالى:"و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله": الحجرات: 9.

على أنها جميعا تفسر قوله تعالى في القصة حكاية عن هابيل:"لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك"بأن المراد تمكين هابيل لأخيه في قتله وتركه الدفاع ، وقد عرفت ما فيه.

ومما يوجب سوء الظن بها أنها مروية عن أناس قعدوا في فتنة الدار وفي حروب علي (عليه السلام) مع معاوية والخوارج وطلحة والزبير ، فالواجب توجيهها بوجه إن أمكن وإلا فالطرح.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن عساكر عن علي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: بدمشق جبل يقال له:"قاسيون"فيه قتل ابن آدم أخاه.

أقول: والرواية لا بأس بها غير أن ابن عساكر روى بطريق عن كعب الأحبار أنه قال: إن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم ، وبطريق آخر عن عمرو بن خبير الشعباني قال: كنت مع كعب الأحبار على جبل دير المران فرأى لجة سائلة في الجبل فقال: هاهنا قتل ابن آدم أخاه ، وهذا أثر دمه جعله الله آية للعالمين.

والروايتان تدلان على أنه كان هناك أثر ثابت يدعى أنه دم هابيل المقتول ، ويشبه أن يكون ذلك من الأمور الخرافية التي ربما وضعوها لصرف وجوه الناس إليها بالزيارة وإيتاء النذور وإهداء الهدايا نظير آثار الأكف والأقدام المعمولة على الأحجار وقبر الجدة وغير ذلك.

وفي الدر المنثور ، أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل.

أقول: وقد روي هذا المعنى من طرق أهل السنة والشيعة بغير هذا الطريق.

وفي الكافي ، بإسناده عن حمران قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ، ما معنى قول الله عز وجل"من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل - أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض - فكأنما قتل الناس جميعا"؟ قال: قلت: وكيف فكأنما قتل الناس جميعا وإنما قتل واحدة؟ قال: يوضع في موضع من جهنم إليه منتهى شدة عذاب أهلها ، لو قتل الناس جميعا كان إنما دخل ذلك المكان ، قلت: فإن قتل آخر؟ قال: يضاعف عليه: أقول: ورواه الصدوق في معاني الأخبار ، عن حمران مثله.

وقوله:"قلت: فإن قتل آخر؟"إشارة إلى ما تقدم بيانه من إشكال لزوم تساوي القتل الواحد معه منضما إلى غيره ، وقد أجاب (عليه السلام) عنه بقوله:"يضاعف عليه"ولا يرد عليه أنه رفع اليد عن التسوية التي يشير إليه حديث المنزلة:"من قتل نفسا بغير نفس"إلخ حيث إن لازم المضاعفة عدم تساوي الواحد والكثير أو الجميع ، وجه عدم الورود أن تساوي المنزلة راجع إلى سنخ العذاب وهو كون قاتل الواحد والاثنين والجميع في واد واحد من أودية جهنم ، ويشير إليه قوله (عليه السلام) في الرواية:"لو قتل الناس جميعا كان إنما دخل ذلك المكان".

ويشهد على ما ذكرنا ما رواه العياشي في تفسيره عن حمران عن أبي عبد الله (عليه السلام) : في الآية قال (عليه السلام) منزلة في النار إليها انتهاء شدة عذاب أهل النار جميعا فيجعل فيها ، قلت: وإن كان قتل اثنين؟ قال: أ لا ترى أنه ليس في النار منزلة أشد عذابا منها؟ قال: يكون يضاعف عليه بقدر ما عمل ، الحديث فإن الجمع بين النفي والإثبات في جوابه (عليه السلام) ليس إلا لما وجهنا به الرواية ، وهو أن الاتحاد والتساوي في سنخ العذاب ، وإليه تشير المنزلة ، والاختلاف في شخصه ونفس ما يذوقه القاتل فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت