و قال الراغب في المفردات: ، الولاء والتوالي أن يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما ، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ، ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد انتهى موضع الحاجة وسيأتي استيفاء البحث في معنى الولاية.
وبالجملة الولاية نوع اقتراب من الشيء يوجب ارتفاع الموانع والحجب بينهما من حيث ما اقترب منه لأجله فإن كان من جهة التقوى والانتصار فالولي هو الناصر الذي لا يمنعه عن نصرة من اقترب منه شيء ، وإن كان من جهة الالتيام في المعاشرة والمحبة التي هي الانجذاب الروحي فالولي هو المحبوب الذي لا يملك الإنسان نفسه دون أن ينفعل عن إرادته ، ويعطيه فيما يهواه وإن كان من جهة النسب فالولي هو الذي يرثه مثلا من غير مانع يمنعه ، وإن كان من جهة الطاعة فالولي هو الذي يحكم في أمره بما يشاء.
ولم يقيد الله سبحانه في قوله:"لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء"الولاية بشيء من الخصوصيات والقيود فهي مطلقة غير أن قوله تعالى في الآية التالية:"فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة"، يدل على أن المراد بالولاية نوع من القرب والاتصال يناسب هذا الذي اعتذروا به بقولهم:"نخشى أن تصيبنا دائرة"وهي الدولة تدور عليهم ، وكما أن الدائرة من الجائز أن تصيبهم من غير اليهود والنصارى فيتأيدوا بنصرة الطائفتين بأخذهما أولياء النصرة كذلك يجوز أن تصيبهم من نفس اليهود والنصارى فينجو منها باتخاذهما أولياء المحبة والخلطة.
والولاية بمعنى قرب المحبة والخلطة تجمع الفائدتين جميعا أعني فائدة النصرة والامتزاج الروحي فهو المراد بالآية ، وسيجيء ما في القيود والصفات المأخوذة في الآية الأخيرة:"يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه"، من الدلالة على أن المراد بالولاية هاهنا ولاية المحبة لا غير.
وقد أصر بعض المفسرين على أن المراد بالولاية ولاية النصرة وهي التي تجري بين إنسانين أو قومين من الحلف أو العهد على نصرة أحد الوليين الآخر عند الحاجة ، واستدل على ذلك بما محصله أن الآيات - كما يلوح من ظاهرها - منزلة قبل حجة الوداع في أوائل الهجرة أيام كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون لم يفرغوا من أمر يهود المدينة ومن حولهم من يهود فدك وخيبر وغيرهم ، ومن ورائهم النصارى وكان بين طوائف من العرب وبينهم عقود من ولاية النصرة والحلف ، وربما انطبق على ما ورد في أسباب النزول أن عبادة بن الصامت من بني عوف بن الخزرج تبرأ من بني قينقاع لما حاربت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان بينه وبينهم ولاية حلف ، لكن عبد الله بن أبي رأس المنافقين لم يتبرأ منهم وسارع فيهم قائلا: نخشى أن تصيبنا دائرة.
أو ما ورد في قصة أبي لبابة لما أرسله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليخرج بني قريظة من حصنهم وينزلهم على حكمه ، فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه: أنه الذبح.
أو ما ورد أن بعضهم كان يكاتب نصارى الشام بأخبار المدينة ، وبعضهم كان يكاتب يهود المدينة لينتفعوا بمالهم ولو بالقرض.
أو ما ورد أن بعضهم قال: إنه يلحق بفلان اليهودي أو بفلان النصراني إثر ما نزل بهم يوم أحد من القتل والهزيمة.
وهؤلاء الروايات كالمتفقة في أن القائلين:"نخشى أن تصيبنا دائرة"كانوا هم المنافقين ، وبالجملة فالآيات إنما تنهى عن المحالفة وولاية النصرة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى.
وقد أكد ذلك بعضهم حتى ادعى أن كون الولاية في الآية بمعنى ولاية المحبة والاعتماد مما تتبرأ منه لغة الآية في مفرداتها وسياقها كما يتبرأ منه سبب النزول والحالة العامة التي كان عليها المسلمون والكتابيون في عصر التنزيل.
وكيف يصح حمل الآية على النهي عن معاشرتهم والاختلاط بهم وإن كانوا ذوي ذمة أو عهد ، وقد كان اليهود يقيمون مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومع الصحابة في المدينة ، وكانوا يعاملونهم بالمساواة التامة انتهى ما ذكره ملخصا.
وهذا كله من التساهل في تحصيل معنى الآية أما ما ذكروه من كون الآيات نازلة قبل عام حجة الوداع وهي سنة نزول سورة المائدة فمما ليس فيه كثير إشكال لكنه لا يوجب كون الولاية بمعنى المحالفة دون ولاية المحبة.