قوله تعالى:"و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين"التولي اتخاذ الولي ، و"من"تبعيضية والمعنى أن من يتخذهم منكم أولياء فإنه بعضهم ، وهذا إلحاق تنزيلي يصير به بعض المؤمنين بعضا من اليهود والنصارى ، ويئول الأمر إلى أن الإيمان حقيقة ذات مراتب مختلفة من حيث الشوب والخلوص ، والكدورة والصفاء كما يستفاد ذلك من الآيات القرآنية قال تعالى:"و ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 160 وهذا الشوب والكدر هو الذي يعبر تعالى عنه بمرض القلوب فيما سيأتي من قوله:"فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم".
فهؤلاء الموالون لأولئك أقوام عدهم الله تعالى من اليهود والنصارى وإن كانوا من المؤمنين ظاهرا ، وأقل ما في ذلك أنهم غير سالكين سبيل الهداية الذي هو الإيمان بل سالكو سبيل اتخذه أولئك سبيلا يسوقه إلى حيث يسوقهم وينتهي به إلى حيث ينتهي بهم.
ولذلك علل الله سبحانه لحوقه بهم بقوله:"إن الله لا يهدي القوم الظالمين"فالكلام في معنى: أن هذا الذي يتولاهم منكم هو منهم غير سالك سبيلكم لأن سبيل الإيمان هو سبيل الهداية الإلهية ، وهذا المتولي لهم ظالم مثلهم ، والله لا يهدي القوم الظالمين.
والآية - كما ترى - تشتمل على أصل التنزيل أعني تنزيل من تولاهم من المؤمنين منزلتهم من غير تعرض لشيء من آثاره الفرعية ، واللفظ وإن لم يتقيد بقيد لكنه لما كان من قبيل بيان الملاك - نظير قوله:"و أن تصوموا خير لكم": البقرة: 148 وقوله:"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر": العنكبوت: 45 إلى غير ذلك - لم يكن إلا مهملا يحتاج التمسك به في إثبات حكم فرعي إلى بيان السنة ، والمرجع في البحث عن ذلك فن الفقه.
قوله تعالى:"فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم"تفريع على قوله في الآية السابقة:"إن الله لا يهدي القوم الظالمين"فمن عدم شمول الهداية الإلهية لحالهم - وهو الضلال - مسارعتهم فيهم واعتذارهم في ذلك بما لا يسمع من القول ، وقد قال تعالى:"يسارعون فيهم"ولم يقل يسارعون إليهم ، فهم منهم وحالون في الضلال محلهم ، فهؤلاء يسارعون فيهم لا لخشية إصابة دائرة عليهم فليسوا يخافون ذلك ، وإنما هي معذرة يختلقونها لأنفسهم لدفع ما يتوجه إليهم من ناحية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين من اللوم والتوبيخ بل إنما يحملهم على تلك المسارعة توليهم أولئك اليهود والنصارى.
ولما كان من شأن كل ظلم وباطل أن يزهق يوما ويظهر للملأ فضيحته ، وينقطع رجاء من توسل إلى أغراض باطلة بوسائل صورتها صورة الحق كما قال تعالى:"إن الله لا يهدي القوم الظالمين"كان من المرجو قطعا أن يأتي الله بفتح أو أمر من عنده فيندموا على فعالهم ، ويظهر للمؤمنين كذبهم فيما كانوا يظهرونه.
وبهذا البيان يظهر وجه تفرع قوله:"فترى الذين"إلخ على قوله:"إن الله لا يهدي القوم الظالمين"وقد تقدم كلام في معنى عدم اهتداء الظالمين في ظلمهم.
فهؤلاء القوم منافقون من جهة إظهارهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ما ليس في قلوبهم حيث يعنونون مسارعتهم في اليهود والنصارى بعنوان الخشية من إصابة الدائرة ، وعنوانه الحقيقي الموافق لما في قلوبهم هو تولي أعداء الله فهذا هو وجه نفاقهم ، وأما كونهم منافقين بمعنى الكافرين المظهرين للإيمان فسياق الآيات لا يوافقه.
وقد ذكر جماعة من المفسرين أنهم المنافقون كعبد الله بن أبي وأصحابه على ما يؤيده أسباب النزول الواردة فإن هؤلاء المنافقين كانوا يشاركون المؤمنين في مجتمعهم ويجاملونهم من جانب ، ومن الجانب الآخر كانوا يتولون اليهود والنصارى بالحلف والعهد على النصرة استدرارا للفئتين ، وأخذا بالاحتياط في رعاية مصالح أنفسهم ليغتبطوا على أي حال ، ويكونوا في مأمن من إصابة الدائرة على أي واحدة من الفئتين المتخاصمتين دارت.