و حكى عبد المسيح بن إسحاق الكندي عنهم في جوابه عن كتاب عبد الله بن إسماعيل الهاشمي ، أنهم يعرفون بذبح الناس ولكن ذلك لا يمكنهم اليوم جهرا ونحن لا نعلم منهم إلا أنهم أناس يوحدون الله ، وينزهونه عن القبائح ، ويصفونه بالسلب لا الإيجاب كقولهم: لا يحد ، ولا يرى ، ولا يظلم ، ولا يجور ويسمونه بالأسماء الحسنى مجازا ، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة ، وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه ، ويقولون بحياتها ونطقها وسمعها وبصرها ، ويعظمون الأنوار ، ومن آثارهم القبة التي فوق محراب عند المقصورة من جامع دمشق ، وكان مصلاهم ، كان اليونانيون والروم على دينهم ، ثم صارت في أيدي اليهود ، فعملوها كنيستهم ، ثم تغلب عليها النصارى ، فصيروها بيعة إلى أن جاء الإسلام وأهله فاتخذوها مسجدا وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال كما ذكرها أبو معشر البلخي في كتابه في بيوت العبادات ، مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس ، وقران فإنها منسوبة إلى القمر ، وبناؤها على صورته كالطيلسان وبقربها قرية تسمى سلمسين ، واسمها القديم صنمسين ، أي صنم القمر ، وقرية أخرى تسمى ترععوز أي باب الزهرة ويذكرون أن الكعبة وأصنامها كانت لهم ، وعبدتها كانوا من جملتهم ، وأن اللات كان باسم زحل ، والعزى باسم الزهرة ولهم أنبياء كثيرة أكثرهم فلاسفة يونان كهرمس المصري وأغاذيمون وواليس وفيثاغورث وباباسوار جد أفلاطون من جهة أمه وأمثالهم ، ومنهم من حرم عليه السمك خوفا أن يكون رغاوة والفرخ لأنه أبدا محموم ، والثوم لأنه مصدع محرق للدم أو المني الذي منه قوام العالم ، والباقلاء لأنه يغلظ الذهن ويفسده ، وأنه في أول الأمر إنما نبت في جمجمة إنسان ، ولهم ثلاث صلوات مكتوبات.
أولها: عند طلوع الشمس ثماني ركعات.
والثانية: عند زوال الشمس عن وسط السماء خمس ركعات ، وفي كل ركعة من صلاتهم ثلاث سجدات ، ويتنفلون بصلاة في الساعة الثانية من النهار ، وأخرى في التاسعة من النهار.
والثالثة: في الساعة الثالثة من الليل ، ويصلون على طهر ووضوء ، ويغتسلون من الجنابة ولا يختتنون إذ لم يؤمروا بذلك زعموا وأكثر أحكامهم في المناكح والحدود مثل أحكام المسلمين ، وفي التنجس عند مس الموتى ، وأمثال ذلك شبيهة بالتوراة ، ولهم قرابين متعلقة بالكواكب وأصنامها وهياكلها وذبائح يتولاها كهنتهم وفاتنوهم ، ويستخرجون من ذلك علم ما عسى يكون المقرب وجواب ما يسأل عنه ، وقد يسمى هرمس بإدريس الذي ذكر في التوراة أخنوخ ، وبعضهم زعم أن يوذاسف هو هرمس.
وقد قيل: إن هؤلاء الحرانية ليسوا هم الصابئة بالحقيقة ، بل هم المسمون في الكتب بالحنفاء والوثنية ، فإن الصابئة هم الذين تخلفوا ببابل من جملة الأسباط الناهضة في أيام كورش وأيام أرطحشست إلى بيت المقدس ، ومالوا إلى شرائع المجوس فصبوا إلى دين بخت نصر ، فذهبوا مذهبا ممتزجا من المجوسية واليهودية ، كالسامرة بالشام ، وقد توجد أكثرهم بواسط وسواد العراق بناحية جعفر والجامدة ونهري الصلة منتمين إلى أنوش بن شيث ، ومخالفين للحرانية ، عائبين مذاهبهم ، لا يوافقونهم إلا في أشياء قليلة ، حتى أنهم يتوجهون في الصلاة إلى جهة القطب الشمالي والحرانية إلى الجنوبي ، وزعم بعض أهل الكتاب أنه كان لمتوشلخ ابن غير ملك يسمى صابي ، وأن الصابئة سموا به ، وكان الناس قبل ظهور الشرائع وخروج يوذاسف شمينين سكان الجانب الشرقي من الأرض وكانوا عبدة أوثان ، وبقاياهم الآن بالهند والصين والتغزغز ويسميهم أهل خراسان شمنان ، وآثارهم وبهاراتهم وأصنامهم وفرخاراتهم ظاهرة في ثغور خراسان المتصلة بالهند ، ويقولون: بقدم الدهر ، وتناسخ الأرواح ، وهوي الفلك في خلإ غير متناه ، ولذلك يتحرك على استدارة فإن الشيء المستدير إذا أزيل ينزل مع دوران ، زعموا ومنهم من أقر بحدوث العالم ، وزعم أن مدته ألف ألف سنة انتهى موضع الحاجة.
أقول: وما نسبه إلى بعض من تفسير الصائبة بالمذهب الممتزج من المجوسية واليهودية مع أشياء من الحرانية هو الأوفق بما في الآية فإن ظاهر السياق أن التعداد لأهل الملة