فهرس الكتاب

الصفحة 1115 من 4314

أقول: ورويت القصة بغير هذه الطرق ، وقد تقدم أن هذه الأسباب أسباب تطبيقة اجتهادية ، وفيها أمارات تدل على ذلك ، كيف والآيات تذكر النصارى مع اليهود ، ولم يكن في قصة بني قينقاع وما جرى بين المسلمين وبين بني قريظة والنضير للنصارى إصبع ، ولا للمسلمين معهم شأن؟ ومجرد ذكرهم تطفلا واطرادا مما لا وجه له ، وفي القرآن آيات متعرضة لحال اليهود في الوقائع التي جرت بينهم وبين المسلمين وما داخل فيه المنافقون من أعمالهم خص فيه اليهود بالذكر ولم يذكر فيه النصارى كما في سورة الحشر وغيرها ، فما بال الاطراد والتطفل يجري حكمهما هاهنا ولا يجري هناك.

على أن الرواية تذكر الآيات النازلة في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي سبع عشرة آية آية: 51 - 67 ولا اتصال بينها حتى تنزل دفعة أولا ، وفيها آية:"إنما وليكم الله ورسوله"وقد تواترت روايات الخاصة والعامة على أنها نزلت في علي (عليه السلام) ثانيا ، وفيها آية:"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك"ولا ارتباط لها مع القصة البتة ثالثا.

فليس إلا أن الراوي أخذ قصة عبادة وعبد الله ثم وجد الآيات تناسبها بعض المناسبة فطبقها عليها ثم لم يحسن التطبيق فوضع سبع عشرة آية مكان ثلاث آيات بمناسبة تعرضها لحال أهل الكتاب.

وفي الدر المنثور ، أخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة: في قوله:"يا أيها الذين ءامنوا - لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء - بعضهم أولياء بعض"في بني قريظة إذ غدروا ونقضوا العهد بينهم وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كتابهم إلى أبي سفيان بن حرب يدعونهم وقريشا ليدخلوهم حصونهم فبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا لبابة بن عبد المنذر إليهم أن يستنزلهم من حصونهم فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حلقه بالذبح. وكان طلحة والزبير يكاتبان النصارى وأهل الشام ، وبلغني أن رجالا من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يخافون العوز والفاقة فيكاتبون اليهود من بني قريظة والنضير فيدسون إليهم الخبر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يلتمسون عندهم القرض والنفع فنهوا عن ذلك.

أقول: والرواية لا بأس بها وهي تفسر الولاية في الآيات بولاية المحبة والمودة وقد تقدم تأييد ذلك ، وهي إن كانت سببا للنزول حقيقيا فالآيات مطلقة تجري في غير القصة كما نزلت وجرت فيها ، وإن كانت من الجري والتطبيق فالأمر أوضح.

وفي المجمع ،: في قوله تعالى:"يا أيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه - فسوف يأتي الله بقوم"الآية قال: وقيل: هم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وأصحابه حين قاتل من قاتله من الناكثين والقاسطين والمارقين ،: وروي ذلك عن عمار وحذيفة وابن عباس ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) .

أقول: قال في المجمع ، بعد ذكر الرواية: ويؤيد هذا القول أن النبي وصفه بهذه الصفات المذكورة في الآية فقال فيه وقد ندبه لفتح خيبر بعد أن رد عنها حامل الراية إليه مرة بعد أخرى وهو يجبن الناس ويجبنونه -:"لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله على يده"ثم أعطاها إياه.

فأما الوصف باللين على أهل الإيمان ، والشدة على الكفار والجهاد في سبيل الله مع أنه لا يخاف فيه لومة لائم فمما لا يمكن أحدا دفع علي (عليه السلام) عن استحقاق ذلك لما ظهر من شدته على أهل الشرك والكفر ونكايته فيهم ، ومقاماته المشهورة في تشييد الملة ونصرة الدين ، والرأفة بالمؤمنين.

ويؤيد ذلك أيضا إنذار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريشا بقتال علي (عليه السلام) لهم من بعده حيث جاء سهيل بن عمرو في جماعة منهم فقالوا: يا محمد إن أرقائنا لحقوا بك فارددهم إلينا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لتنتهن يا معاشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا يضربكم على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله ، فقال له بعض أصحابه: من هو يا رسول الله؟ أبو بكر؟ قال: لا ، ولكنه خاصف النعل في الحجرة ، وكان علي (عليه السلام) يخصف نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال يوم البصرة: والله ما قوتل أهل هذه الآية حتى اليوم ، وتلا هذه الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت