فهرس الكتاب

الصفحة 1131 من 4314

و قد ذكر الله سبحانه لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الولاية التي تخصه الولاية التشريعية وهي القيام بالتشريع والدعوة وتربية الأمة والحكم فيهم والقضاء في أمرهم ، قال تعالى:"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم":"الأحزاب: 6"، وفي معناه قوله تعالى:"إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله":"النساء: 150"، وقوله:"و إنك لتهدي إلى صراط مستقيم": الشورى: 52"، وقوله:"رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة":"الجمعة: 2"، وقوله:"لتبين للناس ما نزل إليهم":"النحل: 44"وقوله:"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول":"النساء: 59"، وقوله:"و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم":"الأحزاب: 36"، وقوله:"و أن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك":"المائدة: 49"، وقد تقدم أن الله لم يذكر ولاية النصرة عليه للأمة."

ويجمع الجميع أن له (صلى الله عليه وآله وسلم) الولاية على الأمة في سوقهم إلى الله والحكم فيهم والقضاء عليهم في جميع شئونهم فله عليهم الإطاعة المطلقة فترجع ولايته (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ولاية الله سبحانه بالولاية التشريعية ، ونعني بذلك أن له (صلى الله عليه وآله وسلم) التقدم عليهم بافتراض الطاعة لأن طاعته طاعة الله ، فولايته ولاية الله كما يدل عليه بعض الآيات السابقة كقوله:"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول"الآية وقوله:"و ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا"الآية وغير ذلك.

وهذا المعنى من الولاية لله ورسوله هو الذي تذكره الآية للذين آمنوا بعطفه على الله ورسوله في قوله:"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا"على ما عرفت من دلالة السياق على كون هذه الولاية ولاية واحدة هي لله سبحانه بالأصالة ولرسوله والذين آمنوا بالتبع وبإذن منه تعالى.

ولو كانت الولاية المنسوبة إلى الله تعالى في الآية غير المنسوبة إلى الذين آمنوا - والمقام مقام الالتباس - كان الأنسب أن تفرد ولاية أخرى للمؤمنين بالذكر رفعا للالتباس كما وقع نظيره في نظيرها ، قال تعالى: "قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين":"التوبة. 61" ، فكرر لفظ الإيمان لما كان في كل من الموضعين لمعنى غير الآخر ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى:"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول: النساء - 59"، في الجزء السابق على هذا الجزء من الكتاب.

على أن لفظ"وليكم"أتي به مفردا وقد نسب إلى الذين آمنوا وهو جمع ، وقد وجهه المفسرون بكون الولاية ذات معنى واحد هو لله سبحانه على الأصالة ولغيره بالتبع.

وقد تبين من جميع ما مر أن القصر في قوله:"إنما وليكم الله""إلخ"، لقصر الإفراد كان المخاطبين يظنون أن الولاية عامة للمذكورين في الآية وغيرهم فأفرد المذكورون للقصر ، ويمكن بوجه أن يحمل على قصر القلب.

قوله تعالى:"الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون"بيان للذين آمنوا المذكور سابقا ، وقوله:"و هم راكعون"حال من فاعل"يؤتون"وهو العامل فيه.

والركوع هو الهيأة المخصوصة في الإنسان ، ومنه الشيخ الراكع ، ويطلق في عرف الشرع على الهيأة المخصوصة في العبادة ، قال تعالى: "الراكعون الساجدون":"التوبة: 121" وهو ممثل للخضوع والتذلل لله ، غير أنه لم يشرع في الإسلام في غير حال الصلاة بخلاف السجدة.

ولكونه مشتملا على الخضوع والتذلل ربما استعير لمطلق التذلل والخضوع أو الفقر والإعسار الذي لا يخلو عادة عن التذلل للغير.

قوله تعالى:"و من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون"، التولي هو الأخذ وليا ، و"الذين آمنوا"مفيد للعهد والمراد به المذكور في الآية السابقة:"و الذين آمنوا الذين"، "إلخ"، وقوله:"فإن حزب الله هم الغالبون" واقع موقع الجزاء وليس به بل هو من قبيل وضع الكبرى موضع النتيجة للدلالة على علة الحكم ، والتقدير: ومن يتول فهو غالب لأنه من حزب الله وحزب الله هم الغالبون ، فهو من قبيل الكناية عن أنهم حزب الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت