فهرس الكتاب

الصفحة 1176 من 4314

و أما قوله (عليه السلام) :"فمن وصف الله فقد قرنه"إلخ ، فهو توصل منه إلى المطلوب - وهو أن الله سبحانه لا حد له ولا عد - من طريق تحليل إثبات الوصف كما كان البيان الأول توصلا منه من طريق تحليل المعرفة إلى نفي الوصف.

فمن وصف الله فقد قرنه لما عرفت من المغايرة بين الموصوف والصفة ، والجمع بين المتغارين قرن ، ومن قرنه فقد ثناه لأخذه إياه موصوفا وصفة وهما اثنان ، ومن ثناه فقد جزأه إلى جزءين ، ومن جزأه فقد جهله بالإشارة إليه إشارة عقلية ، ومن أشار إليه فقد حده لكون الإشارة مستلزمة لانفصال المشار إليه عن المشير حتى تتوسط بينهما الإشارة التي هي إيجاد بعد ما بين المشير والمشار إليه - يبتدىء من الأول وينتهي إلى الثاني -"و من حده فقد عده"وجعله واحدا عدديا لأن العدد لازم الانقسام والانعزال الوجودي تعالى الله عن ذلك.

وفي النهج ،: من خطبة له (عليه السلام) :"الحمد لله الذي لم يسبق له حال حالا فيكون أولا قبل أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ، كل مسمى بالوحدة غيره قليل ، وكل عزيز غيره ذليل ، وكل قوي غيره ضعيف ، وكل مالك غيره مملوك ، وكل عالم غيره متعلم ، وكل قادر غيره يقدر ويعجز ، وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات ويصمه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها ، وكل بصير غيره يعمى عن خفي الألوان ولطيف الأجسام ، وكل ظاهر غيره باطن ، وكل باطن غيره ظاهر".

أقول: بناء البيان على كونه تعالى غير محدود وكون غيره محدودا فإن هذه المعاني والنعوت وكل ما كان من قبيلها إذا طرأ عليها الحد كانت لها إضافة ما إلى غيرها ، ويستوجب التحدد حينئذ أن تنقطع وتزول عما أضيفت إليه ، وتتبدل إلى ما يقابلها من المعنى.

فالظهور إذا فرض محدودا كان بالنسبة إلى جهة أو إلى شيء دون جهة أخرى وشيء آخر ، وصار الأمر الظاهر باطنا خفيا بالنسبة إلى تلك الجهة الأخرى والشيء الآخر ، والعزة إذا أخذت بحد بطلت فيما وراء حدها فكانت ذلة بالنسبة إليه ، والقوة إذا كانت مقيدة تبدلت بالنسبة إلى ما وراء قيدها ضعفا ، والظهور بطون في غير محله ، والبطون ظهور في الخارج عن مستواه.

والملك إذا كان محدودا كان من يحده مهيمنا على هذا المالك فهو وملكه تحت ملك غيره ، والعلم إذا كان محدودا لم يكن من صاحبه لأن الشيء لا يحد نفسه ، فكان بإفاضة الغير وتعليمه ، وهكذا.

والدليل على أنه (عليه السلام) بنى بيانه على معنى الحد قوله:"و كل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات"إلخ ، فإنه وما بعده ظاهر في الإشارة إلى محدودية المخلوقات ، والسياق واحد.

وأما قوله (عليه السلام) :"و كل مسمى بالوحدة غيره قليل"- والجملة هي المقصودة من نقل الخطبة - فبناؤه على معنى الحد ظاهر فإن الوحدة العددية المتفرعة على محدودية المسمى بالواحد لازمة تقسم المعنى وتكثره ، وكلما زاد التقسم والتكثر أمعن الواحد في القلة والضعف بالنسبة إلى الكثرة الحادثة ، فكل واحد عددي فهو قليل بالنسبة إلى الكثير الذي بإزائه ولو بالفرض.

وأما الواحد الذي لا حد لمعناه ولا نهاية له فلا يحتمل فرض الكثرة لعدم احتماله طرو الحد وعروض التميز ولا يشذ عن وجوده شيء من معناه حتى يكثره ويقوى بضمه ، ويقل ويضعف بعزله ، بل كلما فرض له ثان في معناه فإذا هو هو.

وفي النهج ،: ومن خطبة له (عليه السلام) :"الحمد لله الدال على وجوده بخلقه ، وبمحدث خلقه على أزليته ، وباشتباههم على أن لا شبه له ، لا يستلمه المشاعر ، ولا يحجبه السواتر لافتراق الصانع والمصنوع ، والحاد والمحدود ، والرب والمربوب ، الأحد لا بتأويل عدد ، والخالق لا بمعنى حركة ونصب ، والسميع لا بأداة ، والبصير لا بتفريق آلة ، والشاهد لا بمماسة ، والبائن لا بتراخي مسافة ، والظاهر لا برؤية ، والباطن لا بلطافة بان من الأشياء بالقهر لها والقدرة عليها ، وبانت الأشياء منه بالخضوع له والرجوع إليه ، من وصفه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن عده فقد أبطل أزله".

أقول: أول كلامه (عليه السلام) مبني على أن جميع المعاني والصفات المشهودة في الممكنات أمور محدودة لا تتم إلا بحاد يحدها وصانع يصنعها ، ورب يربها ، وهو الله سبحانه ، وإذ كان الحد من صنعه فهو متأخر عنه غير لازم له ، فقد تنزهت ساحة كبريائه عن هذه الحدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت