و في التوحيد ، بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بينا أمير المؤمنين (عليه السلام) يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له"ذعلب"ذرب اللسان ، بليغ في الخطاب ، شجاع القلب فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك؟ فقال: ويلك يا ذعلب لم أكن لأعبد ربا لم أره!. فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيته؟ قال: يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، ويلك يا ذعلب إن ربي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف ، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم ، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر ، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ ، قبل كل شيء لا يقال شيء قبله ، وبعد كل شيء لا يقال له بعد ، شاء الأشياء لا بهمة ، دراك لا بخديعة ، هو في الأشياء غير متمازج بها ولا بائن ، عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة ، متجل لا باستهلال رؤية ، بائن لا بمسافة ، قريب لا بمداناة ، لطيف لا بتجسم ، موجود لا بعد عدم ، فاعل لا باضطرار ، مقدر لا بحركة ، مريد لا بهمامة ، سميع لا بآلة ، بصير لا بأداة ، لا تحويه الأماكن ، ولا تصحبه الأوقات ، ولا تحده الصفات ، ولا تأخذه السنات ، سبق الأوقات كونه ، والعدم وجوده ، والابتداء أزله ، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له ، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له ، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له ، وبمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له ، ضاد النور بالظلمة ، والجسوء بالبلل ، والصرد بالحرور ، مؤلف بين متعادياتها ، مفرق بين متدانياتها ، دالة بتفريقها على مفرقها ، وبتأليفها على مؤلفها ، وذلك قوله عز وجل:"و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"، ففرق بها بين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد ، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها ، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها ، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبين خلقه غير خلقه ، كان ربا ولا مربوب ، وإلها إذ لا مألوه ، وعالما إذ لا معلوم ، وسميعا إذ لا مسموع. ثم أنشأ يقول: ولم يزل سيدي بالحمد معروفا. ولم يزل سيدي بالجود موصوفا. وكان إذ ليس نور يستضاء به. ولا ظلام على الآفاق معكوفا. فربنا بخلاف الخلق كلهم. وكل ما كان في الأوهام موصوفا. الأبيات. أقول: وكلامه (عليه السلام) كما ترى مسوق لبيان معنى أحدية الذات في جميع ما يصدق عليه ويرجع إليه ، وأنه تعالى غير متناهي الذات ولا محدودها ، فلا يقابل ذاته ذات وإلا لهدده بالتحديد وقهره بالتقدير ، فهو المحيط بكل شيء ، المهيمن على كل أمر ، ولا يلحقه صفة تمتاز عن ذاته ، فإن في ذلك بطلان أزليته وعدم محدوديته. وإن صفته تعالى الكمالية غير محدودة بحد يدفع الغير أو يدفعه الغير كما أن العلم فينا غير القدرة لما بينهما من المدافعة مفهوما ومصداقا ، ولا تدافع بينهما فيه تعالى ، بل الصفة عين الصفة وعين كل صفة من صفاته العليا والاسم عين كل اسم من أسمائه الحسنى. بل إن هنالك ما هو ألطف معنى وأبعد غورا من ذلك وهو أن هذه المعاني والمفاهيم للعقل بمنزلة الموازين والمكاييل يوزن ويكتال بها الوجود الخارجي والكون الواقعي فهي حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن وإن ضممنا بعضها إلى بعض ، واستمددنا من أحدها للآخر ، لا يغترف بأوعيتها إلا ما يقاربها في الحد ، فإذا فرضنا أمرا غير محدود ثم قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم ننل منه إلا المحدود وهو غيره ، وكلما زدنا في الإمعان في نيله زاد تعاليا وابتعادا. فمفهوم العلم مثلا هو معنى أخذناه من وصف محدود في الخارج نعده كمالا لما يوجد له ، وفي هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أن يشمل القدرة والحياة مثلا ، فإذا أطلقناه عليه تعالى ثم عدلنا محدوديته بالتقييد في نحو قولنا: علم لا كالعلوم فهب أنه يخلص من بعض التحديد لكنه بعد مفهوم لا ينعزل عن شأنه وهو عدم شموله ما وراءه ولكل مفهوم وراء يقصر عن شموله وإضافة مفهوم إلى مفهوم آخر لا يؤدي إلى بطلان خاصة المفهومية ، وهو ظاهر. وهذا هو الذي يحير الإنسان اللبيب في توصيفه تعالى بما يثبته له لبه وعقله ، وهو المستفاد من قوله (عليه السلام) :"لا تحده الصفات"ومن قوله فيما تقدم من خطبته المنقولة:"و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه"وقوله أيضا في تلك الخطبة:"الذي ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود"وأنت ترى أنه (عليه السلام) يثبت