فهرس الكتاب

الصفحة 1197 من 4314

أما هؤلاء الذين ذكر منهم الشرب من الصحابة فلا شأن لنا في البحث عنهم فيما نحن بصدده من البحث المرتبط بالتفسير غير أن هذه الروايات تؤيد ما ذكرناه في البيان السابق: أن في الآيات إشعارا أو دلالة على أن رهطا من المسلمين ما تركوا شرب الخمر بعد نزول آية البقرة حتى نزلت آية المائدة.

نعم ورد في بعض الروايات أن عليا (عليه السلام) وعثمان بن مظعون كانا قد حرما الخمر على أنفسهما قبل نزول التحريم ، وقد ذكر في الملل والنحل رجالا من العرب حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية ، وقد وفق الله سبحانه بعض هؤلاء أن أدرك الإسلام ودخل فيه ، منهم عامر بن الظرب العدواني ، ومنهم قيس بن عامر التميمي وقد أدرك الإسلام ، ومنهم صفوان بن أمية بن محرث الكناني وعفيف بن معديكرب الكندي والأسلوم اليامي وقد حرم الزنا والخمر معا ، وهؤلاء آحاد من الرجال جرى كلمة الحق على لسانهم ، وأما عامتهم في الجاهلية كعامة أهل الدنيا يومئذ إلا اليهود فقد كانوا يعتادون شربها من غير بأس حتى حرمها الله سبحانه في كتابه.

والذي تفيده آيات الكتاب العزيز أنها حرمت في مكة قبل الهجرة كما يدل عليه قوله تعالى:"قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي":"الأعراف: 33"والآية مكية ، وإذا انضمت إلى قوله تعالى:"يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما":"البقرة: 291"، وهي آية مدنية نازلة في أوائل الهجرة لم يبق شك في ظهور حرمتها للمسلمين يومئذ ، وإذا تدبرنا في سياق آيات المائدة ، وخاصة فيما يفيده قوله:"فهل أنتم منتهون"وقوله:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ،"الآية انكشف أن ما ابتلي به رهط منهم من شربها فيما بين نزول آية البقرة وآية المائدة إنما كان كالذنابة لسابق العادة السيئة نظير ما كان من النكاح في ليلة الصيام عصيانا حتى نزل قوله تعالى:"أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم":"البقرة: 178".

فقد تبين أن في هذه الروايات كلاما من وجهين: أحدهما: من جهة اختلافها في تاريخ تحريم الخمر فقد مر في الرواية الأولى أنها قبيل غزوة أحد ، وفي بعض الروايات: أن ذلك بعد غزوة الأحزاب.

لكن الأمر في ذلك سهل في الجملة لإمكان حملها على كون المراد بتحريم الخمر فيها نزول آية المائدة وإن لم يوافقه لفظ بعض الروايات كل الموافقة.

وثانيهما: من جهة دلالتها على أن الخمر لم تكن بمحرمة قبل نزول آية المائدة أو أنها لم تظهر حرمتها قبلئذ للناس وخاصة للصحابة مع صراحة آية الأعراف المحرمة للإثم وآية البقرة المصرحة بكونها إثما ، وهي صراحة لا تقبل تأويلا.

بل من المستبعد جدا أن تنزل حرمة الإثم بمكة قبل الهجرة في آية تتضمن جمل المحرمات أعني قوله:"قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون":"الأعراف: 33"، ثم يمر عليه زمان غير يسير ، ولا يستفسر المؤمنون معناه من نبيهم ولا يستوضحه المشركون وأكبر همهم النقض والاعتراض على كتاب الله مهما توهموا إليه سبيلا.

بل المستفاد من التاريخ أن تحريم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للخمر كتحريمه الشرك والزنا كان معروفا عند المشركين يدل على ذلك ما رواه ابن هشام في السيرة عن خلاد بن قرة وغيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم: أن أعشى بني قيس خرج إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريد الإسلام فقال يمدح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أ لم تغتمض عيناك ليلة أرمدا.

وبت كما بات السليم مسهدا.

القصيدة.

فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنه جاء يريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليسلم فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنا فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من إرب ، فقال له: يا أبا بصير فإنه يحرم الخمر فقال الأعشى: أما هذه فإن في النفس منها لعلالات ، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت