و هذه الأسماء وإن اختلفوا في تفسيرها إلا أن من المحتمل قريبا أن يكون ذلك الاختلاف ناشئا من اختلاف سلائق الأقوام في سننهم فإن أمثال ذلك كثيرة في السنن الدائرة بين الأقوام الهمجية.
وكيف كان فالآية ناظرة إلى نفي الأحكام التي كانوا قد اختلقوها لهذه الأصناف الأربعة من الأنعام ، ناسبين ذلك إلى الله سبحانه بدليل قوله أولا:"ما جعل الله ، إلخ"وثانيا:"و لكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ، إلخ".
ولذلك كان قوله:"و لكن الذين كفروا ، إلخ"بمنزلة الجواب عن سؤال مقدر كأنه لما قيل:"ما جعل الله من بحيرة ، إلخ"سئل فقيل فما هذا الذي يدعيه هؤلاء الذين كفروا؟ فأجيب بأنه افتراء منهم على الله الكذب ثم زيد في البيان فقيل:"و أكثرهم لا يعقلون"ومفاده أنهم مختلفون في هذا الافتراء فأكثرهم يفترون ما يفترون وهم لا يعقلون ، والقليل من هؤلاء المفترين يعقلون الحق وأن ما ينسبونه إليه تعالى من الافتراء ، وهم المتبوعون المطاعون لغيرهم المديرون لأزمة أمورهم فهم أهل عناد ولجاج.
قوله تعالى:"و إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ، إلى آخر"الآية في حكاية دعوتهم إلى ما أنزل الله إلى الرسول الذي شأنه البلاغ ، فقط فالدعوة دعوة إلى الحق وهو الصدق الخالي عن الفرية ، والعلم المبرى من الجهل فإن الآية السابقة تجمع الافتراء وعدم التعقل في جانبهم فلا يبقى لما يدعون إليه - أعني جانب الله سبحانه - إلا الصدق والعلم.
لكنهم ما دفعوه إلا بالتقليد حيث قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ، والتقليد وإن كان حقا في بعض الأحيان وعلى بعض الشروط وهو رجوع الجاهل إلى العالم ، وهو مما استقر عليه سير المجتمع الإنساني في جميع أحكام الحياة التي لا يتيسر فيها للإنسان أن يحصل العلم بما يحتاج إلى سلوكه من الطريق الحيوي ، لكن تقليد الجاهل في جهله بمعنى رجوع الجاهل إلى جاهل آخر مثله مذموم في سنة العقلاء كما يذم رجوع العالم إلى عالم آخر بترك ما يستقل بعمله من نفسه والأخذ بما يعلم غيره.
ولذلك رده تعالى بقوله:"أ ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون"ومفاده أن العقل - لو كان هناك عقل - لا يبيح للإنسان الرجوع إلى من لا علم عنده ولا اهتداء فهذه سنة الحياة لا تبيح سلوك طريق لا تؤمن مخاطره ، ولا يعلم وصفه لا بالاستقلال ولا باتباع من له به خبرة.
ولعل إضافة قوله:"و لا يهتدون"إلى قوله:"لا يعلمون شيئا"لتتميم قيود الكلام بحسب الحقيقة ، فإن رجوع الجاهل إلى مثله وإن كان مذموما لكنه إنما يذم إذا كان المسئول المتبوع مثل السائل التابع في جهله لا يمتاز عنه بشيء ، وأما إذا كان المتبوع نفسه يسلك الطريق بهداية عالم خبير به ودلالته فهو مهتد في سلوكه ، ولا ذم على من اتبعه في مسيره وقلده في سلوك الطريق ، فإن الأمر ينتهي إلى العلم بالآخرة كمن يتبع عالما بأمر الطريق ثم يتبعه آخر جاهل به.
ومن هنا يتضح أن قوله:"أ ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا"غير كاف في تمام الحجة عليهم لاحتمال أن يكون آباءهم الذين اتبعوهم بالتقليد مهتدين بتقليد العلماء الهداة فلا يجري فيهم حكم الذم ، ولا تتم عليهم الحجة فدفع ذلك بأن آباءهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ، ولا مسوغ لاتباع من هذا حاله.
ولما تحصل من الآية الأولى أعني قوله:"ما جعل الله من بحيرة ، إلخ"أنهم بين من لا يعقل شيئا وهم الأكثرون ، ومن هو معاند مستكبر تحصل أنهم بمعزل من أهلية توجيه الخطاب وإلقاء الحجة ولذلك لم تلق إليهم الحجة في الآية الثانية بنحو التخاطب بل سيق الكلام على خطاب غيرهم والصفح عن مواجهتهم فقيل:"أ ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون".
وقد تقدم في الجزء الأول من أجزاء هذا الكتاب بحث علمي أخلاقي في معنى التقليد يمكنك أن تراجعه.
ويتبين من الآية أن الرجوع إلى كتاب الله وإلى رسوله - وهو الرجوع إلى السنة - ليس من التقليد المذموم في شيء.