فلم يرزق الإنسان من العلم في هذا الكون الذي يبهته التفكير في سعة ساحته ، وتهوله النظرة في عظمة أجرامه ومجراته ، ويطير لبه الغور في متون ذراته ، ويأخذه الدوار إذا أراد الجري بين هاتين الغايتين إلا اليسير من العلم على قدر ما يحتاج إليه في مسير حياته كالشمعة الصغيرة يحملها طارق الليل المظلم لا ينتفع من نورها إلا أن يميز ما يضع عليه قدمه من الأرض.
فما يتعلق به علم الإنسان ناشب بوجوده متعلق بواقعيته بأطراف ثم بأطراف أطراف وهكذا كل ذلك في غيب من إدراك الإنسان فلا يتعلق العلم بحقيقة معنى الكلمة بشيء إلا إذا كان متعلقا بجميع الغيوب في الوجود ، ولا يسع ذلك لمخلوق محدود مقدر إنسانا أو غيره إلا لله الواحد القهار الذي عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ، قال الله تعالى:"و الله يعلم وأنتم لا تعلمون":"البقرة: 261"فدل على أن من طبع الإنسان الجهل فلا يرزق من العلم إلا محدودا مقدرا كما قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم":"الحجر: 21"وهو قوله (عليه السلام) : حيث سئل عن علة احتجاب الله عن خلقه فقال: لأنه بناهم بنية على الجهل ، وقال تعالى:"و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء":"البقرة: 255"فدل على أن العلم كله لله ، وإنما يحيط منه الإنسان بما شاء الله ، وقال تعالى:"و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا":"الإسراء: 85"فدل على أن هناك علما كثيرا لم يؤت الإنسان إلا قليلا منه.
فإذن حقيقة الأمر أن العلم حق العلم لا يوجد عند غير الله سبحانه ، وإذ كان يوم القيامة يوما يظهر فيه الأشياء بحقائقها على ما تفيده الآيات الواصفة لأمره فلا مجال فيه إلا للكلام الحق كما قال تعالى:"لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ، ذلك اليوم الحق":"النبأ - 39"كان من الجواب الحق إذا ما سئل الرسل فقيل لهم:"ما ذا أجبتم"أن يجيبوا بنفي العلم عن أنفسهم لكونه من الغيب ، ويثبتوه لربهم سبحانه بقولهم:"لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب".
وهذا الجواب منهم (عليهم السلام) نحو خضوع لحضرة العظمة والكبرياء واعتراف بحاجتهم الذاتية وبطلانهم الحقيقي قبال مولاهم الحق رعاية لأدب الحضور وإظهارا لحقيقة الأمر ، وليس جوابا نهائيا لا جواب بعده البتة: أما أولا فلأن الله سبحانه جعلهم شهداء على أممهم كما ذكره في قوله:"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا": النساء: 41"وقال:"و وضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء":"الزمر: 69"ولا معنى لجعلهم شهداء إلا ليشهدوا على أممهم يوم القيامة بما هو حق الشهادة يومئذ ، فلا محالة هم سيشهدون يومئذ كما قدر الله ذلك فقولهم يومئذ:"لا علم لنا"جري على الأدب العبودي قبال الملك الحق الذي له الأمر والملك يومئذ ، وبيان لحقيقة الحال وهو أنه هو يملك العلم لذاته ولا يملك غيره إلا ما ملكه ، ولا ضير أن يجيبوا بعد هذا الجواب بما لهم من العلم الموهوب المتعلق بأحوال أممهم ، وهذا مما يؤيد ما قدمناه في البحث عن قوله تعالى:"و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ،"الآية:"البقرة: 134"في الجزء الأول من هذا الكتاب: أن هذا العلم والشهادة ليسا من نوع العلم والشهادة المعروفين عندنا وأنهما من العلم المخصوص بالله الموهوب لطائفة من عباده المكرمين."
وأما ثانيا فلأن الله سبحانه أثبت العلم لطائفة من مقربي عباده يوم القيامة على ما له من الشأن ، قال تعالى: "و قال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث":"الروم: 56" وقال تعالى: "و على الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم":"الأعراف: 46" وقال تعالى: "و لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون":"الزخرف: 87" وعيسى بن مريم (عليهما السلام) ممن تعمه الآية وهو رسول فهو ممن يشهد بالحق وهم يعلمون ، وقال تعالى: "و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا":"الفرقان: 31" والمراد بالرسول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي تحكيه الآية من قوله هو بعينه جواب لما تشتمل عليه هذه الآية من السؤال أعني قوله تعالى:"فيقول ما ذا أجبتم"فظهر أن قول الرسل (عليهم السلام) :"لا علم لنا"ليس جوابا نهائيا كما تقدم.