فهرس الكتاب

الصفحة 1359 من 4314

و قوله:"و إنهم لكاذبون"أي في قولهم:"يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا"إلخ ، والتمني وإن كان إنشاء لا يقع فيه الصدق والكذب إلا أنهم لما قالوا:"نرد ولا نكذب"أي ردنا الله إلى الدنيا ولو ردنا لم نكذب ، ولم يقولوا: نعود ولا نكذب ، كان كلامهم مضمنا للمسألة والوعد أعني مسألة الرد ووعد الإيمان والعمل الصالح كما صرح بذلك في قوله:"و لو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون": السجدة: 12 وقوله:"و هم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل": الفاطر: 37.

وبالجملة قولهم:"يا ليتنا نرد ولا نكذب"إلخ ، في معنى قولهم ربنا ردنا إلى الدنيا لا نكذب بآياتك ونكن من المؤمنين ، وبهذا الاعتبار يحتمل الصدق والكذب ، ويصح عدهم كاذبين.

وربما وجه نسبة الكذب إليهم في تمنيهم بأن المراد كذب الأمل والتمني وهو عدم تحققه خارجا كما يقال: كذبك أملك ، لمن تمنى ما لا يدرك.

وربما قيل: إن المراد كذبهم في سائر ما يخبرون به عن أنفسهم من إصابة الواقع واعتقاد الحق ، هو كما ترى.

قوله تعالى:"و قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا"إلى آخر الآيتين.

ذكر لإنكارهم الصريح للحشر وما يستتبعه يوم القيامة من الإشهاد وأخذ الاعتراف بما أنكروه ، والوثنية كانت تنكر المعاد كما حكى الله عنهم ذلك في كلامه غير مرة ، وقولهم بشفاعة الشركاء إنما كان في الأمور الدنيوية من جلب المنافع إليهم ودفع المضار والمخاوف عنهم.

فقوله:"و قالوا إن هي"إلخ ، حكاية لإنكارهم أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا لا حياة بعدها ، وما نحن بمبعوثين بعد الممات ، وقوله:"و لو ترى إذ وقفوا"كالجواب وهو بيان ما يستتبعه قولهم: إن هي إلا ،"إلخ"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في صورة التمني لمكان قوله:"و لو ترى"وهو أنهم سيصدقون بما جحدوه ، ويعترفون بما أنكروه بقولهم:"و ما نحن بمبعوثين"إذ يوقفون على ربهم فيشاهدون عيانا هذا الموقف الذي أخبروا به في الدنيا ، وهو أنهم مبعوثون بعد الموت فيعترفون بذلك بعد ما أنكروه في الدنيا.

ومن هنا يظهر أن الله سبحانه فسر البعث في قوله:"و لو ترى إذ وقفوا على ربهم"بلقاء الله ، ويؤيده أيضا قوله في الآية التالية:"قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة"إلخ ، حيث بدل الحشر والبعث والقيامة المذكورات في سابق الكلام لقاء ثم ذكر الساعة أي ساعة اللقاء.

وقوله:"أ ليس هذا"أي أ ليس البعث الذي أنكرتموه في الدنيا وهو لقاء الله"بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"به وتسترونه.

قوله تعالى:"قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله"إلى آخر الآية ، قال في المجمع ،: كل شيء أتى فجأة فقد بغت يقال: بغته الأمر يبغته بغتة انتهى ، وقال الراغب في المفردات ،: الحسر كشف الملبس عما عليه يقال: حسرت عن الذراع ، والحاسر من لا درع عليه ولا مغفر ، والمحسرة المكنسة - إلى أن قال - والحاسر المعيا لانكشاف قواه - إلى أن قال - والحسرة الغم على ما فاته والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه أو انحسر قواه من فرط غم أو أدركه إعياء عن تدارك ما فرط منه.

انتهى موضع الحاجة.

وقال: الوزر بفتحتين الملجأ الذي يتلجأ إليه من الجبل ، قال:"كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر"والوزر بالكسر فالسكون الثقل تشبيها بوزر الجبل ، ويعبر بذلك عن الإثم كما يعبر عنه بالثقل ، قال"ليحملوا أوزارهم كاملة"الآية كقوله:"و ليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم"، انتهى.

والآية تبين تبعة أخرى من تبعات إنكارهم البعث وهو أن الساعة سيفاجئهم فينادون بالحسرة على تفريطهم فيها ويتمثل لهم أوزارهم وذنوبهم وهم يحملونها على ظهورهم وهو أشق أحوال الإنسان وأردؤها ألا ساء ما يزرون ويحملونه من الثقل أو من الذنب أو من وبال الذنب.

والآية أعني قوله:"قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله"بمنزلة النتيجة المأخوذة من قوله:"و قالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا"إلى آخر الآيتين ، وهي أنهم بتعويضهم راحة الآخرة وروح لقاء الله من إنكار البعث وما يستتبعه من أليم العذاب خسروا صفقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت