و أما السؤال الثاني ، وهو أنه هل يماثل حشره حشر الإنسان فيبعث وتحضر أعماله ويحاسب عليها فينعم أو يعذب بها فجوابه أن ذلك لازم الحشر بمعنى الجمع بين الأفراد وسوقهم إلى أمر بالإزعاج ، وأما مثل السماء والأرض وما يشابههما من شمس وقمر وحجارة وغيرها فلم يطلق في موردها لفظ الحشر كما في قوله تعالى:"يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار": إبراهيم: 48 وقوله:"و الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه": الزمر: 67 وقوله:"و جمع الشمس والقمر": القيامة: 9"وقوله:"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ، لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها": الأنبياء: 99."
على أن الملاك الذي يعطيه كلامه تعالى في حشر الناس هو القضاء الفصل بينهم فيما اختلفوا فيه من الحق قال تعالى:"إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": السجدة: 25 وقوله:"ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون": آل عمران: 55 وغير ذلك من الآيات.
ومرجع الجميع إلى إنعام المحسن والانتقام من الظالم بظلمه كما ذكره في قوله:"إنا من المجرمين منتقمون": السجدة: 22 وقوله:"فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام ، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار": إبراهيم: 48 وهذان الوصفان أعني الإحسان والظلم موجودان في أعمال الحيوانات في الجملة.
ويؤيده ظاهر قوله تعالى:"و لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى": فاطر: 45 فإن ظاهره أن ظلم الناس لو استوجب المؤاخذة الإلهية كان ذلك لأنه ظلم والظلم شائع بين كل ما يسمى دابة: الإنسان وسائر الحيوانات فكان ذلك مستعقبا لأن يهلك الله تعالى كل دابة على ظهرها هذا وإن ذكر بعضهم: أن المراد بالدابة في الآية خصوص الإنسان.
ولا يلزم من شمول الأخذ والانتقام يوم القيامة لسائر الحيوان أن يساوي الإنسان في الشعور والإرادة ، ويرقى الحيوان العجم إلى درجة الإنسان في نفسياته وروحياته ، والضرورة تدفع ذلك ، والآثار البارزة منها ومن الإنسان تبطله.
وذلك أن مجرد الاشتراك في الأخذ والانتقام والحساب والأجر بين الإنسان وغيره لا يقضي بالمعادلة والمساواة من جميع الجهات كما لا يقتضي الاشتراك في ما هو أقرب من ذلك بين أفراد الإنسان أنفسهم أن يجري حساب أعمالهم من حيث المداقة والمناقشة مجرى واحدا فيوقف العاقل والسفيه والرشيد والمستضعف في موقف واحد.
على أنه تعالى ذكر من بعض الحيوان من لطائف الفهم ودقائق النباهة ما ليس بكل البعيد من مستوى الإنسان المتوسط الحال في الفقه والتعقل كالذي حكى عن نملة سليمان بقوله:"حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون": النمل: 18 وما حكاه من قول هدهد له (عليه السلام) في قصة غيبته عنه:"فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم ، وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون"إلى آخر الآيات: النمل: 24 فإن الباحث النبيه إذا تدبر هذا الآيات بما يظهر منها من آثار الفهم والشعور لها ثم قدر زنته لم يشك في أن تحقق هذا المقدار من الفهم والشعور يتوقف على معارف جمة وإدراكات متنوعة كثيرة من بساط المعاني ومركباتها.
وربما أيد ذلك ما حصله أصحاب معرفة الحيوان بعميق مطالعاتهم وتربياتهم لأنواع الحيوان المختلفة من عجائب الأحوال التي لا تكاد تظهر إلا من موجود ذي إرادة لطيفة وفكر عميق وشعور حاد.