فهرس الكتاب

الصفحة 1384 من 4314

و بذلك يتبين أولا: معنى قوله سبحانه:"و ما عند الله باق": النحل: 96 ، وقوله:"و من عنده لا يستكبرون عن عبادته": الأنبياء: 19 ، وقوله:"إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه": الأعراف: 206 ، وقوله فيمن يقتل في سبيل الله:"بل أحياء عند ربهم يرزقون": آل عمران: 169 ، وقوله:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه:"الحجر: 21 ، فالآيات تدل بانضمام الآية الأولى إليهن أن هذه الأمور كلها باقية ببقائه تعالى لا سبيل للهلاك والبوار إليها ، ثم قال تعالى:"كل شيء هالك إلا وجهه": القصص: 88 فدل الحصر الذي في الآية على أن ذلك كله وجه لله سبحانه وبعبارة أخرى كلها واقعة في جهته تعالى مستقرة مطمئنة في جانبه وناحيته.

وثانيا: أن ما تتعلق به إرادة العبد من ربه هو وجهه كما في قوله:"يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا": المائدة: 2 ، وقوله:"ابتغاء رحمة من ربك": الإسراء: 28 وقوله:"و ابتغوا إليه الوسيلة": المائدة: 35 فكل ذلك وجهه تعالى لأن صفات فعله تعالى كالرحمة والمرضاة والفضل ونحو ذلك من وجهه ، وكذلك سبيله تعالى من وجهه على ما تقدم ، وقال تعالى:"إلا ابتغاء وجه الله": البقرة: 272.

وقوله:"ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء"الحساب هو استعمال العدد بالجمع والطرح ونحو ذلك ، ولما كان تمحيص الأعمال وتقديرها لتوفية الأجر أو أخذ النتيجة ونحوهما لا يخلو بحسب العادة من استعمال العدد بجمع أو طرح سمي ذلك حسابا للأعمال.

وإذ كان حساب الأعمال لتوفية الجزاء ، والجزاء إنما هو من الله سبحانه فالحساب على الله تعالى أي في عهدته وكفايته كما قال:"إن حسابهم إلا على ربي": الشعراء: 113 ، وقال:"ثم إن علينا حسابهم": الغاشية: 26 وعكس في قوله:"إن الله كان على كل شيء حسيبا": النساء: 86 للدلالة على سلطانه تعالى وهيمنته على كل شيء.

وعلى هذا فالمراد من نفي كون حسابهم عليه أو حسابه عليهم نفي أن يكون هو الذي يحاسب أعمالهم ليجازيهم حتى إذا لم يرتض أمرهم وكره مجاورتهم طردهم عن نفسه أو يكونوا هم الذين يحاسبون أعماله حتى إذا خاف مناقشتهم أو سوء مجازاتهم أو كرههم استكبارا واستعلاء عليهم طردهم ، وعلى هذا فكل من الجملتين:"ما عليك"إلخ ،"و ما عليهم"إلخ ، مقصودة في الكلام مستقلة.

وربما أمكن أن يستفاد من قوله:"ما عليك من حسابهم من شيء"نفي أن يحمل عليه حسابهم أي أعمالهم المحاسبة حتى يستثقله وذلك بإيهام أن للعمل ثقلا على عامله أو من يحمل عليه فالمعنى ليس شيء من ثقل أعمالهم عليك ، وعلى هذا فاستتباعه بقوله:"و ما من حسابك عليهم من شيء"- ولا حاجة إليه لتمام الكلام بدونه - إنما هو لتتميم أطراف الاحتمال وتأكيد مطابقة الكلام ، ومن الممكن أيضا أن يقال: إن مجموع الجملتين أعني قوله:"ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء"كناية عن نفي الارتباط بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبينهم من حيث الحساب.

وربما قيل: إن المراد بالحساب حساب الرزق دون حساب الأعمال والمراد: ليس عليك حساب رزقهم ، وإنما الله يرزقهم وعليه حساب رزقهم ، وقوله:"و ما من حسابك عليهم"إلخ ، جيء به تأكيدا لمطابقة الكلام على ما تقدم في الوجه السابق ، والوجهان وإن أمكن توجيههما بوجه لكن الوجه هو الأول.

وقوله:"فتطردهم فتكون من الظالمين"الدخول في جماعة الظالمين متفرع على طردهم أي طرد الذين يدعون ربهم فنظم الكلام بحسب طبعه يقتضي أن يفرع قوله:"فتكون من الظالمين"، على قوله في أول الآية:"و لا تطرد الذين"إلخ ، إلا أن الكلام لما طال بتخلل جمل بين المتفرع والمتفرع عليه أعيد لفظ الطرد ثانيا في صورة الفرع ليتفرع عليه قوله:"فتكون من الظالمين"بنحو الاتصال ويرتفع اللبس.

فلا يرد عليه أن الكلام مشتمل على تفريع الشيء على نفسه فإن ملخصه: ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتطردهم ، وذلك أن إعادة الطرد ثانيا لإيصال الفرع أعني قوله:"فتكون من الظالمين"، إلى أصله كما عرفت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت